الثلاثاء، 26 أكتوبر 2021

الشيخ حميد بن سعدون الخالدي

 نشر نصوص الوثائق القديمة ينبغي أن يكون كما كُتبت دون تبديل أو تعديل

التغيير في وثيقة دفتر المهمة (3) بتاريخ 968هـ ساهم في إخفاء اسم الشيخ حُمَيْد بن سعدون الخالدي جدّ آل حُمَيْد.


كتب/ عبد الخالق بن عبد الجليل الجنبي

لا تخلو بعض الوثائق من وجود أخطاء وأغلاط، فكاتبوها بشرٌ، والبشر يخطئون، ولاسيما إذا كان كُتّاب هذه الوثائق منحدرين من طيف ثقافي يختلف عن المكان الذي كتبوا عنه اجتماعياً وعُرفياً ولغوياً، وهذا أمرٌ لا لبس فيه، ولكن الأمر الذي فيه اللبس كله هو فرض الباحثين لتصحيحاتهم لهذه الأخطاء الواردة في الوثائق – إنْ كانتْ أخطاءً – على قرّاء بحوثهم بتغييرهم لنصّ الوثيقة الأصلي عند ترجمته، أو تدوينه بالصيغة التي يرون صحتها؛ في حين إنّ ذلك ينبغي أن يكون في الحيّز الخاص بهم كباحثين، وهو الهوامش والحواشي.

ومن الأمور التي يجب أخذها في الاعتبار في هذا الشأن هو النظر إلى تصحيحات الباحثين هذه على أنها آراء خاصة بهم قد يصيبون فيها وقد يخطئون، ولهذا كان من الأسلم والأصحّ – وفق منهج البحث العلمي – أنْ يُدْرِجَ الباحثُ نصّ الوثيقة التي يستند إليها كما كُتبَ فيها، وأن يوضح في الهامش ما يرى صحته وخطئه في النصّ لأنه ليس بالضرورة أن يكون ما رأه خطئاً هو خطأ بالفعل.

إنّ الباعث لكتابة هذه المقدمة، وهذا البحث هو أنه عندما تفضّلَ علي أستاذنا المختصّ بوثائق الأرشيف العثماني؛ الدكتور محمد بن موسى القريني – حفظه الله – بالصفحتين 557، 558 من دفتر المهمة رقم (3)، وهما عن الحكم رقم (1633) الصادر إلى متصرّف الأحساء بتاريخ 22 صفر من العام 968 للهجرة - بخصوص ما بدر من بعض قادة بني خالد ضد الدولة في الأحساء والقطيف ذلك العام مع ترجمة له باللغة العربية – فوجئتُ عند قراءة هذا الحُكم بورود اسم (حُمَيْد بن سَعْدُوْن) الجدّ الأعلى لآل حُميد الخالديين فيها.

وكنتُ قد اطلعتُ على محتوى هذا الحكم كنصٍّ مقتبس عن هذه الوثيقة من خلال بحثين مطبوعين؛ هما كتاب: (بنو خالد وعلاقتهم بنجد) للدكتور عبد الكريم بن عبد الله المنيف الوهبي، وكتاب: (البلاد العربية في الوثائق العثمانية) للدكتور فاضل البيات؛ غير أنّ هذين الباحثين الفاضلين لم يذكراً ما ورد في نصّ هذه الوثيقة كما كُتب فيها حرفيّاً؛ بل إنهما دَوّناه بالصيغة التي ارتأيا أنها هي الصواب، فكتب الدكتور الوهيبي في الصفحة: 129 من كتابه المذكور أعلاه عن الأمن في الأحساء وحركة سعدون الخالدي، فقال:

"ومع أنه أعلن عن فرض النظام إلا أنّ ذلك انحصر فيما يبدو على إبعاد الخطر عن مدينة الأحساء والقلاع المجاورة، فقد استمرت ثورة سعدون حتى 22 صفر 968هـ / 14 نوفمبر 1560م، فقد جاء ضمن وثيقة بهذا التاريخ موجهة إلى حاكم عام الأحساء تتضمن أمراً من السلطان باستمرار سجن كل من عثمان بك وحسين دفتردار، وتحصيل ما في حوزتهما من الأموال والأمر بالقضاء على كل من يؤيد أو يتعاون مع سعدون، ومن بينهم آغا تكلو الذي حاول برجاله أيضاً إطلاق سراح المسجونين السابقين وإيصالهما إلى جهة سعدون، وكذلك سلطان علي أمير لواء القطيف المتفق مع المتمرّد سعدون بن حميد".

ثم ذكر في الحاشية السفلية رقم (3) مصدره في قوله هذا كما يلي:

"مهمة دفتري 3 حكم 1633 بتاريخ 22 صفر 968هـ".

وهي ذات الوثيقة التي أشرتُ إليها أعلاه، وليلاحظ القارئ أنّ الدكتور كتب في آخر سطر: "سعدون بن حميد"، وهو لم يرد بهذه الصورة في هذه الوثيقة كما سنرى.

وأما الدكتور فاضل البيات، فإنه ذكر في الصفحات: (53 – 56) من الجزء الثالث من كتابه (البلاد العربية في الوثائق العثمانية) ترجمة كاملة لهذا الحكم الطويل؛ كتبها باللغتين التركية والعربية نقلاً عن صورة الوثيقة ذاتها، وأنقل هنا مقتطفات من ترجمته العربية مما يتعلق بخصوص سعدون وهو كما يلي:

".. سبق أن ورد حكمٌ شريف يقضي باحتجاز أمير سنجق العُيون عثمان، وأمين الأمناء حسين في القلعة، فتمّ احتجازهما في القلعة، وتم وضع آغا (آمر) الخمسين نفراً تكلو مع أفراده حرّاساً عليهم؛ غير أنّ تكلو قام بتعيين المدعوَّين شمس دلال وبورونسز جعفر، وكانا قد قدما من ولاية اللار بعربستان دليلين للمذكورين لغاية وصولهما إلى جانب سعدون وملك اللار".

ثم قال بعد كلام طويل:

"كما أبلغتُ بأن بعض الأشخاص في تلك الولاية قد ساروا على نهج البدو، ورفعوا لواء العصيان، وأعلنوا طاعتهم لسعدون، وينبغي أن يتم تأديب مثل هؤلاء الأشخاص، وبناءً عليه عليك ألا تفسح المجال لمن استحقوا الصلب والإعدام بحسب الشرع والقانون لإثارتهم الفساد والشناعة (الاضطرابات)، وتؤدبّهم في محلهم ليكونوا عبرةً لغيرهم.

وأُعْلِمْتُ أنه لم يتم النظر في حسابات أمير سنجق القطيف سلطان علي بك، وقد ترتب بذمته من المال الميري مائتان وثلاثة وثمانون ألفاً وتسع وثلاثون آقجه، وعند الطلب امتنع عن التسديد، وأنه تحالف مع البدو ويأكل المال الميري ويخفيه، وأنّ معظم أغاوات أفراد القطيف من العجم، وهو (سلطان علي بك) يقوم بإلحاق الظلم بالفقراء بلا هوادة، ويقدم مؤناً غذائية للمتمرّد سعدون بن حميد".

ويلاحظ القارئ أنّ الدكتور فاضل بيات كتب اسمه: سعدون بن حميد أيضاً كما كتبه الدكتور الوهبي قبله.

وبالرجوع إلى الوثيقة الأصلية التي أهداني إياها الدكتور القريني - والتي هي مصدر الدكتورين الفاضلين - وجدتُ أنّ اسمَ الرجل الذي وُصفَ بـ(المُتمرِّد)، والذي قدّم له أمير سنجق القطيف سلطان علي بك المُؤن الغذائية؛ قد كُتب فيها بهذا الرَّسم: "حميد بن سعدون"؛ كما في الصورة المرفقة لها، وليس "سعدون بن حميد"؛ في حين ذكَرَت هذه الوثيقة اسم (سعدون) مجرَّداً في الموضعين السابقين لشخصٍ آخر في الأحساء، وكما هو واضح من نصّ هذه الوثيقة، فإنّها تذكر شخصين اثنين لا شخصاً واحداً، وهما (سعدون الخالدي) الذي تمرّد على الدولة في الأحساء، والذي توجد أكثر من وثيقة في الأرشيف العثماني ذكرت ثورته بالتفصيل واحتلاله للمبرَّز منها، وابنه (حميد بن سعدون) الذي تمرَّد على الدولة في القطيف، والذي كان أمير سنجق القطيف سلطان علي بك يقدم له المؤن الغذائية لإرضائه؛ في حين كان أمرُ سعدون منوطاً بأمير الأحساء، وأمير واحة العُيون منها التي كان سعدون ينزل بقربها، وكان قد استمال أميرها السابق عثمان بك، وأمين الأمناء حسين، فتقاسموا مال الدولة الذي كان في خزينة قلعة العُيون بينهم.

وهكذا، وبقراءتنا لنصّ هذه الوثيقة كما دُوّن فيها – بدون تصرّف – فقد عرفنا أنه كان للثائر الخالدي سعدون ابنٌ اسمه حُمَيْد، وأنه كان مشاركاً له في حروبه، وأنه عندما قصد الأحساء لأخذ الميرة منها أرسل ابنه إلى القطيف لأخذ الميرة منها أيضاً، والأحساء والقطيف هما قصبتا البلاد حينها كما هو معروف.

وعليه، فإنّ معرفتنا لهذا الأمر يطرح علينا سؤالاً عريضاً، وهو هل: حميد بن سعدون الخالدي المذكور في هذه الوثيقة مع والده سعدون هو الجد الأعلى لآل حُميد؟.

والجواب أستطيع أنْ أبوح به مستيقناً، وهو: نعم؛ هذا ما يبدو لنا من هذه الوثيقة؛ بالإضافة إلى ما ورد في بعض كتب التاريخ النجدية، فلو أننا رجعنا إلى سلسلة نسب برّاك بن غرير الحُميْديّ الخالديّ - مؤسس دولة آل حميد في القطيف والأحساء عام 1082هـ - والتي ذكرها المؤرخ النجدي الشيخ إبراهيم بن صالح آل عيسى في الصفحة: 49 من كتاب (مجموع في تاريخ نجد)؛ المطبوع ضمن كتب (الخزانة النجدية)، فسنجده يذكر هذه السلسلة في أحداث العام 1081هـ؛ هكذا:

"برّاك آل غرير بن عثمان بن مسعود بن ربيعة بن حميد الخالدي".

في حين ذكر نسب ابن عمه محمد في أحداث سنة 1083هـ؛ هكذا:

"محمد بن حسين بن عثمان بن مسعود بن ربيعة بن حميد".

باستخدام اللفظة (بن) بين الجدّين (ربيعة) و(حميد) في كلي الموضعين، وهو لا يتعارض مع المؤرخين النجديين الذين كتبوا لفظة (آل) بين هذين الجدّين بدلاً من لفظة (بن) التي كتبها ابن عيسى، وعليه، فإنّ ربيعة يكون ابن حميد بن سعدون نقلاً وعقلا، فالنقل هو هذا الذي ذكره المؤرخ إبراهيم بن عيسى في نسب برّاك بن غرير، والعقل يدلُّ على ذلك أيضاً، فهذه الجهود التي بذلها سعدون الخالدي وابنه حميد بن سعدون الواردان في الوثيقة المشار إليها، وما حصلا عليه من امتيازات مالية من الدولة العثمانية في الأحساء والقطيف، والزعامة الخالدية التي خَلُصَتْ لهما لن تذهب لغير أولادهما من صُلبهما، وايضاً، فإنّ قعدد النسب، وهو وجود أربعة آباء بين برّاك المؤسس للدولة في العام 1082 للهجرة، وبين حميد بن سعدون الموجود حيّاً عام 968 للهجرة كما في الوثيقة؛ هو قعددٌ صحيح لأنّ الفارق الزمني بين الجد وحفيده الرابع هو 114 سنة، وهي مدة معقولة ومقبولة لحياة أربعة آباء متسلسلين.

وبناءً على ما تقدم، فإنه يمكن القول إنّ من ورد باسم (ابن حميد) في وثيقة أخرى من وثائق دفاتر المهمة كُتبت عام 983 للهجرة هو ربيعة بن حميد بن سعدون الخالدي، فالمدة الزمنية بين هذه الوثيقة الأخيرة وبين الوثيقة التي كُتب فيها اسم أبيه حميد وجده سعدون عام 968 للهجرة هي 15 عاماً، وهي مدة تكفي لانتقال الزعامة الخالدية من الجد إلى الابن، فالحفيد.

وهذه الوثيقة الأخرى هي من إهداء أستاذنا الدكتور القريني أيضاً، وهي موجودة في الصفحة 117 من دفتر المهمة رقم (27)؛ المتضمّنة للحكم رقم (276)، والصادر في 27 شعبان من العام 983 للهجرة، والذي ورد فيه ما هذه ترجمته:

"سبق أن وجه سنجق الأحساء لابن حميد من أعيان العربان؛ على أن يقيم فيها في الموسم، ويصونها من قُطّاع الطرق من القبائل العربية مقابل ساليانة بمائتي ألف آقجه، وقد حصل من جهة بغداد أخيراً على الذخيرة، ولم يقض الموسم في الأحساء؛ بل أرسل ابنه طالباً من أمير أمراء الأحساء الساليانة الخاصة به، ولذلك أمرتُ: إذا وصل إليك أمري هذا، وإذا قدم إليك رجال المذكور راغبين في الحصول على الذخيرة من جهة بغداد، فلتنبّه كافة الأمراء والقضاة إلى عدم منحهم الذخيرة من جهة بغداد إلا إذا قضى الموسم مع عشيرته في الأحساء". (ينظر الصورة المرفقة).

وكما نلاحظ، فإنّ الوثيقة تذكر أنّ ابن حميد هذا الذي رجّحتُ أنه: ربيعة بن حميد بن سعدون قد أرسل ابنه إلى الأحساء يطلب من أمير أمرائها المقرر المالي الخاص به وبقبيلته، وربما يكون ابنه هذا هو مسعود بن ربيعة بن حميد بن سعدون الجدُّ الثاني لبرّاك بن غرير بن عثمان بن مسعود الذي سيقوم بطرد الأتراك والآفراسياب من القطيف والأحساء في العام 1082 للهجرة، ويؤسس دولة آل حميد فيهما.

وختاماً .. لقد اتضح لنا الأمر الذي ذكرته في أول هذا البحث، وهو ضرورة الإبقاء على النصّ الوثائقي بالصّيغة التي كُتب عليها إن كان باللغة العربية، أو بالترجمة الحرفية الصحيحة له إن كان بغير اللغة العربية، وأنّ نقله للقرّاء يجب أن يكون سليماً من غير تعديل أو تبديل من قبل ناقله أو مترجمه، وأنه إذا كان للناقل أو المترجم رأيٌ حول ما يراه خطئاً في النصّ، فإنه ينبغي عليه ذكر رأيه هذا في الهوامش والحواشي لا أنْ يفرض رأيه على النصّ الأصلي، ويقوم بتغييره ليتفق مع رأيه لأنّ مثل هذه الأفعال من شأنها المساهمة بفقدان المعلومات الصحيحة كما حصل لهذه الوثيقة التي تمّ تصحيحها.


 صور الوثائق:













 


 


 


الثلاثاء، 14 سبتمبر 2021

جرّه وليس جرها 2

 

ملاحظات على (سلسلة مصادر الجزيرة العربية في المصادر الكلاسيكية)

التي أعدتها ونشرتها دارة الملك عبد العزيز بالرياض عام 2017م

عبد الخالق بن عبد الجليل الجنبي:

لا يخفى على أحدٍ الدور المتألق الذي تبذله دارة الملك عبد العزيز في كتابة وتوثيق تاريخ الجزيرة العربية، وتيسير وصول المعلومات التاريخية إلى الباحثين والقرّاء من خلال طبع ونشر عشرات المصادر التاريخية القديمة والدراسات الحديثة في أبهى صورة، وبأسعار رمزية قد لا تغطي حتى سعر التكلفة، وأحياناً تقوم بإهدائها لبعض الباحثين مجاناً، وما هذا إلا دليل على حرص الدارة على حصول هؤلاء الباحثين على المعلومات بكل يسر وسهولة.

وكان من آخر إصدارات الدارة السلسلة المفيدة من كتاب (الجزيرة العربية في المصادر الكلاسيكية) التي سخّرت الدارة فيها كل إمكانياتها لتقديم خلاصة ما ورد في المصادر الإغريقية والرومانية القديمة – والباب ما زال مفتوحاً لمصادر أخرى – عن الجزيرة العربية بحيث إنّ الطاقم العلمي الذي اختارته الدارة لأجل هذه المهمة قام بنخل جُلّ المعلومات المتعلقة بالجزيرة العربية من هذه المصادر، وتقديمها بصورة بهية واضحة مرتبة، وباللغتين: اللغة الأم للمصدر، وترجمة ذلك باللغة العربية مع تعليقات علمية في الحواشي وملحقات فنية في آخر كل مصدر من ضمنها فهارس الأعلام العامة.

غير أنّ أي عمل إنساني مهما وصل إلى ذروة من الكمال؛ إلا أنه يبقى عملاً أنسانياً لا يخلو مما لا يخلو البشرُ منه من نسيانٍ، وتحريف، وتصحيف، وأخطاء في الترجمة، فكلنا في النهاية بشرٌ نصيب ونخطئ.

وعند حصولي على هذه السلسلة ضمن نسخة حاسوبية؛ بادرت أول ما بادرت إلى الاطلاع على الكتاب الخاص بالمؤرخ الإغريقي في عصر الإسكندر: أجاثار كيدس الكنيدي (Agatharchides of Cnidus)، والذي هو عبارة عن منخول ما وصل إلينا عن الجزيرة العربية من كتابه الشهير (عن البحر الإريثري)، وذلك لوجود نصٍّ خطير له كنتُ قد دونته في كتابي (جرّه مدينة التجارة العالمية القديمة)؛ الذي قلتُ فيه ما هذا نصُّه عن مدينة جرّه (Gerra) الشهيرة:

"وذكروا أيضاً أنها كانت تضاهي مملكة سبأ في الغِنى والثراء؛ كما ذكروا أنّها ومملكة سبأ كانتا أغنى الأمم القديمة على الإطلاق  وفي هذا الصدد يقول مؤرخ القرن الثاني قبل الميلاد الإغريقي أجاثاركيدس (Agatharchides): 

"No nation seems to be wealthier than the Sabaeans and Gerrhaeans, who are the agents for everything that falls under the name of transport from Asia and Europe. It is they who have made Ptolemaic Syria rich in gold, and who have provided profitable trade and thousands of other things to Phoenician enterprise".

وترجمته:

"لا أمة تبدو أغنى من السبئيين والجرَّهيين الذين هم وكلاء كلّ شيء يقع تحت مسمى النقل من آسيا وأوروبا؛ إنهم الذين جعلوا سوريا البطالمة غنية بالذهب، وهم الذين أمدّوا المؤسسات التجارية الفينيقية بالتجارة المربحة وآلاف الأشياء الأخرى".

هذا ما كتبته في كتابي، وعندما اطلعت على الترجمة العربية لذات النصّ في الفقرة (5: 102)؛ من الصفحة 52 من الكتاب الخاص بكتاب أجاثاركيدس من سلسلة (الجزيرة العربية في المصادر الكلاسيكية) تحت عنوان: "الثراء الفاحش للسبئيين!!"؛ فوجئتُ به مترجماً بما هذا نصُّه:

"ليس ثمّة أمّة تتمتع بالرضا أكثر من السبئيّين؛ إذ إنّهم الشعبُ الذي يوزع كلَّ شيء ذي قيمة من آسيا وأووربا، وهم الذين صنعوا ثراء القسم البطلمي من سوريا بمعدن الذهب، وهم أيضاً الذين استحدثوا تجارة رائجة للصناعات الفينيقية وغيرها"

نعم هكذا بحذف لفظة (الجرَّهيين) - أو (الجرهائيين) بحسب ترجمتهم هم لاسم المدينة وسكانها – وهو خطأٌ فادح جداً أنْ يُحذف اسم قومٍ كانوا ثاني أمتين شُهريين مع السبئيين في الجزيرة العربية، وعندما رجعت إلى النصّ المدوّن بلغة الكتاب الأصلية، وهي الإغريقية اليونانية؛ وجدته مكتوباً في الصفحة: 69 من الكتاب هكذا:

"Οὐδὲ γὰρ εὐπορώτερον Σαβαίων καὶ Γερραίων ...".

ومن الواضح وجود اسم الجرّهيين (Γερραίων) في النصّ، وهذا هو الصحيح، فلا أدري كيف غفل المترجم عنها، وهذا مما ينبغي أن يُصَحَّح لأنه من الأخطاء الجسيمة أنْ يُحذف اسمُ أمّة ذات شأن كبير من أمم الجزيرة العربية، وهم الجرَّهيّون؛ من نصّ خطير كهذا النصّ.

وأيضاً، فإنّ مما لاحظته على المترجم هو ترجمته لاسم مدينة: (جرَّه) (Gerra)، أو (Γερρα) بحسب الاسم الإغريقي لها إلى اللغة العربية عن اسم هذه المدينة الروماني (Gerrha) الذي يُنطق: (جرْهَا)، وهو خطأ تَرْجَمِيٌّ قديم وقع فيه المترجمون الأوائل الذين نقلوا الثقافة اليونانية الإغريقية من لغتها الأم إلى اللغة الرومانية بعد أن ورثت الإمبراطورية الرومانية الإمبراطورية اليونانية، وقد ذكرت بالتفصيل هذه المشكلة في الترجمة من اليونانية إلى الرومانية بخصوص اسم مدينة (جره) - التي أوضحتُ رأيي في أنها هي مدينة (هجر) العربية - في كتابي (جره مدينة التجارة العالمية القديمة)، وذكرت هناك المشكلة التي صادفت المترجمين الأوائل لهذا الاسم موثّقاً بالمصادر، ولا بأس بأن أعيده هنا مختصراً للفائدة، ومن أراده موسعاً مع المصادر، فليراجعه في كتابي المذكور.

صحة نطق الاسم: (Γερρα) / (Gerra) الإغريقي أو (Gerrha) الروماني

إنّ المصادر التاريخية التي ورد لنا عبرها اسم مدينة جرَّه (Gerra /γερρα) هي كلها مصادر إغريقية هيلنيستية، والتي تُكتب حين تترجم إلى اللاتينية القديمة (Gerrha) بإضافة الحرف (h)، ولم يرد هذا الاسم في أي مصدر غير إغريقي حتى الآن، وقد دوِّنت سلع تجارية منسوبة إلى هذه المدينة في وثيقتين تعودان للعامين 260 – 261م على التوالي، وهما برديتان من برديّات زينون (Zenon) مدير أملاك أبولونيوس (Apollonios) وزير مالية بطليموس الثاني (285 – 246 ق.م)، وقد ورد لفظ النسبة إليها، وهو (ΓΕΡΡΑΙΟΖ) بالإغريقية الأيونية، ويقابله (Gerraios) في اللاتينية، وعليه فيمكننا أن نعتبر أنّ هذا هو أقدم مصدر ورد فيه النسبة إلى جرّه (Gerra).

.. ووردت بالصيغة (Gerra) عند الجغرافي الإغريقي الشهير جداً بطليموس في كتابه القاموس الجغرافي والخرائط الخاصة به عن الجزيرة العربية قرابة العام 150 للميلاد.

.. وعليه فإنّ اسم (جرَّه) يُكتب وفق أبجدية اللغة اليونانية الحديثة بهذه الصورة (ΓΈΡΡΆ) بالحروف الكبيرة، و(γερρα) بالحروف الصغيرة.

.. فعلى ذلك لا بد وأن نتساءل من أين جاء حرف الهاء (H) في الصيغة الثانية لكتابة اسم مدينتنا أعني (Gerrha)، والجواب بسيط لأنّ أبجدية اللغة اليونانية القديمة لا يوجد فيها حرفٌ خاص يماثل أو يشابه حرف الهاء العربي أو حرف (H) في اللغات اللاتينية، وقد استعاضت اللغة اليونانية الإغريقية عن ذلك باستخدام ما يُعرف بالعلامة الهائية (Rough Breathing) التي توضع على بعض الحروف الصوتية عندما تأتي في أول الكلمة فقط، فتنطق بالهاء وكمثال على ذلك فإنّ حرف الألف اليوناني (α) ينطق مثل الألف الممدودة في اللغة العربية (آ)، ولكن عند إضافة العلامة الهائية فوقه يكتب بهذا الشكل (ἁ)، ويُنطق (ها) وليس (آ)، وهذه العلامة – كما قلت – لا توضع إلا فوق بعض الحروف الصوتية المتحركة فقط أو بجنبها، وأما الحروف الساكنة أو شبه الساكنة فلا توضع عليها هذه العلامة الهائية باستثناء حرفٍ واحدٍ فقط هو حرف الراء اليوناني (ρ)، والمسمى في الأبجدية اليونانية (Rho)، والمشتق أصلاً من لفظة (Rêš) في اللغة السامية الأصلية.

ويُصنّف هذا الحرف اليوناني (Rho) - عموماً - بوصفه حرفاً صامتاً جنباً إلى جنب مع الحرف لامْبْدا (Λ)، وأحياناً مع الحرفين مو (Μ) ونو (Ν) الأنفيين، ويتضح التشابه في اللفظ بين الحرف (Rho) وحرف الرّاء (r) في اللغات ذات الأبجديات المشتقة من اللغة اللاتينية، وفي علم الإملاء البوليتونيكي (الإغريقي) يُكتب الحرف (Rho) المخفف في بداية الكلمة عادةً مع ما سميناها بالعلامة الهائية rough breathing (المشابهة لحرف الهاء h) ويُكتب الحرف حينها هكذا: ( ῥ ) في حين يُكتب الحرف المشدد منه وسط الكلمة مع العلامة الساكنة smooth breathing على الحرف الأول وينطق راء خفيفة، والعلامة الهائية rough breathing على الحرف الثاني وينطق راءً مع هاء، ويُكتب الحرفان بهذا الشكل (ῤῥ)، وينطقان بهذا الصوت: ارْرُهـْ.

وبالمطلق فإنه ينطق حرف الراء اليوناني (ῥ) دائماً هكذا (رُهـْ)، أي إننا لو أردنا أن نكتب لفظة (مُرَّه) القبيلة العربية المعاصرة – مثلاً - بالحروف اليونانية القديمة، فإنّ أول مشكل سوف يواجهنا هو أنّ الأبجدية اليونانية لا يوجد بها حرفٌ مكافئ لحرف الهاء، وبالتالي فإنّه سيتم الاستعاضة عن هذا الحرف بحرف الألف أو(ألْفَا) مع كتابة العلامة الهائية فوقه أي هكذا: (ἁ)، والذي سبق وقلت إنه يُنطق (ها)، ولكن نظراً لوجود راء مشددة في (مُرَّه)، فسوف تُكتب – حسب ما قدمت من شرح - رائين اثنتين أولاهما عليها علامة السكون التي تجعلها تُلفظ راءاً خفيفة مفردة، والأخرى عليها العلامة الهائية التي تجعلها تُلفظ متلازمة بالهاء، وستكون صورة كتابة لفظة (مُرّه) بالأحرف اليونانية هكذا: (μυῤῥἁ)، ولكن حين تُعطيها لشخص يوناني وتطلب منه قراءتها، فسيقرؤها بهذا الصوت: (مُوْرْرُه)، فلو فرضنا أنّ هذا الاسم قد ورد في كتاب إغريقي قديم بالصورة التي أشرت إليها، وأراد كاتبٌ من الناطقين بإحدى اللغات اللاتينية كالإنجليزية – مثلاً - ولديه خبرة كبيرة باللغة الإغريقية اليونانية ترجمة اللفظة اليونانية (μυῤῥἁ) التي تعني (مُرّه) إلى لغته الإنجليزية، فسيكتبها هكذا: (Murrha) حسب نطقها في اللغة اليونانية، وعلى العموم يظهر دائما وبوضوح التلفظ بالهاء في آخر الكثير من الكلمات اليونانية التي تبدأ بالراء أو تتضمن حرف الراء، ولهذا السبب فإنّ العديد من الكلمات الإنجليزية المشتقّة من اليونانية نراها تبدأ بـ (rh) أو تتضمن (rrh) فيها.

إنّ هذا الأمر الذي تم شرحه بالنسبة لحرف الراء اليوناني ولحوق العلامة الهائية به، وكذلك عدم وجود الحرف المكافئ لحرف الهاء العربي في الأبجدية اليونانية القديمة هو الذي حصل لاسم مدينتنا (جِرَّه) الذي سبق وذكرت أنه يُكتب بالحروف الهجائية اليونانية هكذا (γέῤῥα)، ويلفظه اليونانيون بهذه الصورة (جيرْرَه)، ولهذا فعندما تمت ترجمة الأعمال التاريخية التي ورد فيها اسم هذه المدينة كتاريخ بوليبيوس وجغرافيا سترابو من اللغة الإغريقية اليونانية إلى اللغة اللاتينية، ومنها الإنجليزية، فقد كُتبت بهذه الصورة: (Gerrha) بمحاكاة السماع اللفظي اليوناني؛ تماماً كما فعل اليونان أنفسهم عندما كتبوا اسم هذه المدينة عن أهلها، واللذين كانوا يتلفظون بها بتفخيم أو تشديد حرْف الرّاء، فكتبها المؤرخون الإغريق كما سمعوها منهم مستعيضين عن التشديد الذي لم يكن في لغتهم بكتابة رائين إحداهما ساكنة والأخرى بالعلامة الهائية، وعن حرف الهاء بحرف الألِف (ألْفَا) في آخر الكلمة تماماً كما مرَّ بنا في لفظة (مُرّه).

وإذاً فقد ثبت لنا الآن أنّ اللفظتين اللاتينيتين الإنجليزيتين لمدينتا (جِرَّه)، وهما (Gerra) و(Gerrha) هما - كما سبق وقلت - وجهان كتابيان للفظة واحدة هي الصورة الأولى منهما أعني (Gerra)، والتي تساوي حروفها حروف التسمية الإغريقية (γέῤῥα).

.. وقبل الانتقال إلى موضوع آخر أحب أنْ ألفت الانتباه إلى أنّ صحّة النطق السماعي للاسم (Gerra) بالنسبة للغة العربية هو كما يلي: 

G = ج       e = ي r = ر   r = ر   a = ا

فيكون اسمها العربي بالمحاكاة الصوتية هو (جيرْرَا)، ولأننا نعلم أنّ الحرف (e) أو (έ) اليوناني هو حرفٌ غير مشبّع هنا، فهذا يعني أنه يُنطق في اللغة العربية مثل الكسرة، وبالتالي فإنّ (جيررا) يمكنُ أنْ تُكتب (جِرْرَا)، ولكون اللغة العربية نادراً ما تقبل بالتتالي لحرفين متشابهين في الأسماء المطلقة؛ بل يتم حذف أحدهما، ويستعاض عنه بوضع علامة الشدة على الآخر، فإنّ حرفي الراء في (جِرْرَا) سيدغمان في حرف واحد مشدّد، ويُنطق الاسم عندها (جِرّا)، وأخيراً فإنّ من الواضح أنّ الحرف اليوناني ألْفَا (α) في آخر الكلمة مع العلامة الهائية على الراء (ῥ) هو تعويض عن حرف الهاء العربي كما سبق وذكرتُ، وعليه فبإمكاننا إعادته إلى أصله أي الهاء، فتصبح (جِرَّا) عندها هي (جِرَّهْ) بكسر الجيم، وتشديد الرّاء مع فتحها، ثم هاءْ ساكنة في آخرها، وليس (جَرْهَا) أو (جَرْهَاءْ) كما اجتهد بعض الباحثين العرب في ترجمتها.

الأحد، 12 سبتمبر 2021

فن التحقيق

 

ألَاْ كُـــلُّ مَـاْشِـيَةِ الـخَـــــيْزَلَىْ

فِدَىْ كُلِّ مَاْشِيَةِ الهَيْدَبَىْ

 

دائماً ما يتبادر إلى ذهني هذا البيت عندما أرى، أو أتصفّحُ، أو أراجعُ (تاريخ الطبري) المطبوع في مطبعة بريل بمدينة ليدن الهولندية، وبتحقيق العالم المستشرق الكبير (دي خويه)، ثم أتصفّحُ أو أراجع بعده الطبعات العربية التالية له؛ بدءاً من طبعة دار المعارف المصرية بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، وهلمَّ نازلاً، فالفرق كبيرٌ جداً جداً، وشتّان بين طبعة ليدن لهذا التاريخ الكبير، وبين طبعات غيرها له، وفرقٌ علميٌّ كبير بين تحقيق دي خويه للطبعة الليدنية، وبين تحقيق كل من جاء بعده، فكلهم أخذوا عنه، ولكنهم ليتهم إذ أخذوا عنه فعلوا (مثل ما فعل) على أقلّ تقدير ولن أطمع منهم بـ(فوق ما فعل)، وآخرهم بشار عوّاد الذي استمعتُ إليه في هذا المقطع الذي أرسله الصديق الأستاذ أحمد آل محمد صالح، ويحقُّ لي أن أتساءل عن مَاذا سيفعل، وما الجديد الذي سيضيفه إلى تحقيق هذا التاريخ الكبير الذي طبع عشرات الطبعات، وكلُّ طبعة يزعم ناشروها أنها محققة؟!.

 

ولعل قائلٍ يقول: انتظر وترى، فلعمري إني لمن المنتظرين، ولكن قبل ذلك إليكم كمثال هاتان الصفحتان من تاريخ الطبري اللتان تتحدثان عن حدثٍ واحد، وهو دخول القرمطي ابن مهرويه الكوفة سنة 293 للهجرة، فانظروا كيف أنّ نصّ الرواية يقول إنه من بلدة (الصَّوْأر)؛ بهذا الرسم الذي كُتبت به في الطبعة الليدنية المحققة بواسطة دي خويه، في حين كتبها محمد أبو الفضل إبراهيم: "الصَّوْءر"، ولكنْ، ولتعرفوا الفرق بين تحقيق دي خويه وتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم؛ انظروا إلى ما كتبه دي خويه في الهامش عن هذه البلدة، وكيف أنّه ذكر ورود اسمها برسم (الصَّوّان) في أكثر من نسخة؛ في حين إنّ محمد أبو الفضل إبراهيم لم يكتب عنها أيّ شيءٍ يُذكر في هامشه التحقيقي!!؛ مع أنّه يدّعي أنه رجع إلى عدة نسخ في تحقيقه لهذا التاريخ!!.

وعندما حققتُ (تاريخ الشريف العابد أخي محسن) صادفني خبر ابن مهرويه هذا الذي رواه الطبري، ولكن بتفصيل أكثر دقة ومعلومة عند الشريف العابد، ومنه قوله عن هذا القرمطي:

 

"ثم رحلوا فنزلوا قرية تعرف بالصَّوَّان؛ على نهر هُدّ  من سواد الكوفة".

 

هكذا ذُكرت في هذا الموضع وفي مواضع أخرى من تاريخ الشريف، فلو أنني اكتفيت بالرجوع إلى تاريخ الطبري بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم لوقعت في حيرة لأنه كتبها (الصوءر)، ولكن بفضل رجوعي إلى طبعة ليدن بتحقيق دي خويه، فهو حتى وإن كتبها (الصَّوأر)؛ إلا أنه ذكر بكلّ أمانة ورودها باسم (الصَّوّان) في أكثر من نسخة، وهو الاسم الصحيح لهذه البلدة الكوفية، والذي أكده الشريف العابد لها في تاريخه، فتحقيق دي خويه هو لعمري التحقيق الصحيح؛ الذي إنْ لم يوصلك إلى الحقيقة، فإنه يضعك على الطريق الصحيح إليها.

الخميس، 9 سبتمبر 2021

وثيقة حول نزاع على توزيع المياه انتهى بالصلح

 

وثيقة أحـسائية تدلّ على وقوع نزاع حول نصيب نهر النعيلي 

المتفرع من نهر سليسل؛ انتهى بالتصالح بين الطرفين المتنازعين


كتب: عبد الخالق بن عبد الجليل الجنبي 


من المعروف أنّ نهر أبي الثيران الذي هو أحد فروع نهر سُليسل، والأنهار السبعة الأخرى التي تشاركه مياه هذا النهر العظيم هي: (سيّاح – نهر محمد – الزهيري – الجرواني – ابن راضي – الحِدّ - النعيلي)، وكان نهر أبي الثيران يسقي بساتين الطريبيل والدالوة والتيمية والمزاوي؛ غير أنّ نصيب نهر أبي الثيران وستّة أنهر من الأنهار السبعة المذكورة أعلاه تعرّض في العقد التاسع من القرن الثاني عشر الهجري إلى نقصٍ في الدَّفق المائي الذي كان يأتيه من النهر الأم سليسل، وهذه الوثيقة تعالج هذه القضية.

 

تاريخ الوثيقة: 1182هـ.

المدَّعِيْ: عبّاد آل حسن من أهل القارة أصالة عن نفسه، ووكالة عن أهل القارة والتويثير والعمران والتيمية والمزاوي وأهل الدالوة وأهل الطريبيل.

المُدَّعَى عليه: إبراهيم بن محمد الجبيلي من أهل الجبيل.

القاضي المتنازع عنده: عبد الرحمن بن محمد بن الشيخ حسين العدساني

شهود الوثيقة: (علي بن حسين بن الشيخ إبراهيم العدساني – سليمان بن عبد الله بن جغيمان – مبارك بن أحمد الخطيب – حسن بن سيد حسين بن سيد سالم).

مادة النزاع: حصة نهر النعيلي المتفرع من سليسل، والذي كان يسقي قسماً من بساتين الجبيل والحليلة.

دعوى عبّاد آل حسن القارِيّ وموكّليه تتلخص في: أنّ إبراهيم بن محمد الجبيلي صار يأخذ لنهر النعيلي الثلث من نهر سليسل، والنعيلي ليس له من ماء سليسل غير الخمس، وأنّه لعبّاد ولموكليه أربعة أخماس ماء النهر.

دعوى إبراهيم بن محمد الجبيلي تتلخص في: أنّ لنهر النعيلي من ماء نهر سليسل ثلث الماء ولعبّاد وموكليه الثلثان فقط.

 

إجراءات القضية:

أولاً: طلب القاضي من عبّاد آل حسن البيّنة على دعواه باعتباره المدَّعيْ، فأحضر حجة مكتوبة في وقت سابق تؤكد كلامه بأنه ليس لإبراهيم الجبيلي في الماء المذكور غير الخمس، وعلى هذه الحجة إمضاء أبي بكر بن عمر الملا، وشهادة محمد بن ناهض الجبيلي، وعلي بن ناصر أبو قناص.

ثانياً: لم ينكر إبراهيم بن محمد الجبيلي هذه الحجة، ولكنه قال إنها كتبت قبل حفر نهر الجبري، وأما بعد حفر هذا النهر، فقد صار للنعيلي الثلث من ماء نهر سليسل.

ثالثاً: طلب القاضي من إبراهيم الجبيلي إحضار بيّنة على كلامه الأخير هذا، فلم يكن عنده غير قوله فقط بحسب القاضي.

 

النتيجة: بعد تفاهم ودّي جرى بين المتنازعين اتفقوا على القبول بأن يكون الحلّ وسطاً، وهو أنْ يكون لنهر النعيلي الربع من ماء نهر سليسل، ولعباد وموكّليه ثلاثة أرباعه، وتمّ الصُّلح على ذلك، وشهد عليه الشهود المذكورون أعلاه.


صورة الوثيقة موضع الدرس:






الأربعاء، 8 سبتمبر 2021

ملاحظات علمية على الخبر المنشور بعنوان: (دراسة تكشف بأن الأحساء موطن تمور البرني)

 

ملاحظات علمية على الخبر المنشور بعنوان:

(دراسة تكشف بأن الأحساء موطن تمور البرني)

 

تحت هذا العنوان نُشر هذا الخبر في جريدة الرياض  في عددها الإلكتروني ليوم الأربعاء 1 صفر 1443هـ الموافق 8 سبتمبر 2021م، عبر الرابط: https://www.alriyadh.com/1905547.

وقد قمت بالرد عليه من خلال خاصية الردّ للقراء في ذات اليوم، ولكنهم لم ينشروا ردّي حتى الآن، وفي هذا الخبر أخطاءٌ واضحة لا تتفق مع منهج البحث العلمي، فقد زعم كاتب الخبر أنّ هذه الدراسة قد كشفت عن الموطن الأصلي لصنف تمور "البرني"!! الذي أشاد به رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وآله سلم قبل أكثر من 1400 سنة، هو "هجر" التي هي نفسها واحة الأحساء، والواقع هو أنّ كون هجر هي الموطن الأصلي لتمر البرني لا يحتاج إلى مثل هذه الدراسة، فهو مذكور في كتب السيرة والتاريخ والأدب، وفي مادة [برن] من معاجم اللغة العربية.

كما قال كاتب الخبر إنّ الدراسة قامت بإجراء فحوصات وتحاليل مقارنة الحمض النووي (DNA) لتمور متحجرة تعود للعام 160هـ لم يذكر أين وجدوها - وهذا خطأ علمي – كما ذكر أنّ الدراسة أجريت حسب قوله في مختبرات ومعامل متخصصة ومراكز بحثية محلية وعالمية في سويسرا، ولم يذكروا اسمها - وهذا خطأ آخر – وذكر أيضاً أنّ القائمين على الدراسة قد وجدوا أنّ نتائج الفحوصات أثبتت أنّ هذه التمرات المتحجرة تطابق صفاتها تمر "الرزيز" الموجود في الأحساء بنسبة 92%، وأن التغييرات الجينية التي طرأت على الصنف محدودة جدًا، وهو ما جعل القائمين عليها يجزمون جزماً قاطعاً أنّ الرزيز هو البرني وفق ذلك!!، وهذا ثالث خطأ، علمي، وهو من أكبر الأخطاء؛ لأنّ فحوصات التحليل الجيني للبصمة الوراثية (DNA) هي فحوصات تُعمل لمعرفة بصمة الجينات الوراثية المخزنة والمشفرة في الكائنات الحيّة، والمنتقلة عبر تسلسل الحمض النووي لها من المُوَرِّث إلى الوَاْرِث عبر أطوار التاريخ، ولكنّ هذا الفحص لا يُعمل لمعرفة الأسماء التاريخية للكائنات الحيّة، ولهذا فإنّ القائمين على هذا الفحص – إن كانوا قد قاموا به بمنهجية علمية – فإنهم لن يحصلوا منه على الاسم التاريخي لهذه التمرات المُجرى عليها هذا الفحص، ولن يقول لهم هذا الفحصُ إنّ هذه التمرات هي من نوع البرني، وإنما سيكون كلُّ الذي يحصلون عليه من هذا الفحص هو إخباره لهم بأنّ هذه التمرات تتشابه جينياً ووراثياً مع جينات تمر الرزيز فقط لا غير من دون إعطاء أسماء، وعند هذا الحدّ، فإنه لا غرابة في هذا الأمر مطلقاً، فتمر الرزيز كان هو الآخر موجوداً في هجر أيام الرسول، وأرجحُ أنه هو تمر التعضوض الذي كان أحد أكثر تمور هجر شهرة مع البرني، فمن صفات التعضوض كما في مادة [عض] من معاجم اللغة ككتاب العين، وتهذيب اللغة للأزهري أسير القرامطة في البحرين، والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيّده وغيرها؛ أنه:

    · أسودٌ شديد الحلاوة.

    · ذو تمرة طحلاء صقرة لذيذة.

    · فيها تحزيز كأنّه آثار العَضّ.

    · معدنه هجر وقراها.

وهذه الصفات واضحة جداً في تمر الرزيز أكثر من غيره من تمور الأحساء، ولاسيما اللون الأسود، وما يشبه آثار العض؛ كما أنه ينبغي لناشري هذه الدراسة أن يعرفوا بأنّ المنهج العلمي لا يبيح لهم أن يتبرعوا بإطلاق اسم البرنيّ على تلك التمرات المتحجرة، وإنما كان من المفترض عليهم أن يذكروا تشابه نتائج التحاليل المختبرية التي أجريت عليها بفحص (DNA) مع صفات تمر الرزيز المعروف في الأحساء الآن فقط، ولو أنهم رجعوا إلى المعاجم اللغوية والمصادر الأدبية التي ذكرت صفات البرني لوجدوا أنّ اللغويين  اتفقوا على أنّ من صفات البرني أنّ رُطَبَه أصْفرٌ مُشَرَّبٌ بحُمْرَة، وتمْرُهُ أحْمَرٌ مُشَرَّبٌ بصُفْرَةٍ.



 تمر الرزيز الأحسائي، ويلاحظ أنه أسود اللون أطحله، وفيه تحزيز يشبه آثار العض 
تماماً كما ورد في وصف التعضوض في المعاجم اللغوية.