الاثنين، 3 أبريل 2017

الشعر العربي القديم ودوره في تحديد المواضع القديمة هجر والمشقر والصفا والشبعان مثالاً

الشعر العربي القديم ودوره في تحديد المواضع القديمة
هجر والمشقر والصفا والشبعان مثالاً
من النصوص التي استوقفتني كثيراً عن هجر هو نصُّ هشام بن محمد الكلبي الذي ذكر فيه أسواق العرب قبل الإسلام، فكان مما قاله عن هجر عند ذكر سوقها (سوق المشقر):
"وكانت أرضاً مُعْجِبَة لا يراها أحد فيصبر عنها". [1]
وبالفعل فإنّ هذا الكلام من عمدة الأخباريين العرب له في الشعر العربي القديم ما يؤكده، فقد لفت نظري أيضاً أنّ كثيراً من شعراء ما قبل الإسلام وبعده أبدوا إعجابهم بذلك النخل الجبّار السّامق بألوانه الزاهية المتعددة، والذي كان يقع فيما بين جبل الشبعان وتل المشقر وتل الصفا بالقرب من مدينة هجر، والذي كان الماء لا يبرح عن أصوله، فذكروه كثيراً، وشبهوا به قوافل الجمال حين يرونها عن بعدٍ، وهي تسير في الصحراء وسرابها، فقدموا لذلك وصفاً تغنى به الكثير منهم، وكان هذا النخل يُسَمّى (نخيل ابن يامن) نسبة إلى تاجر هجري كان قبل امرئ القيس يدعى (بنيامين)، ولكن العرب أسموه (ابن يامن).
وقد أطلقت على تشبيه الشعراء للقوافل وهي تسير عن بعد في سراب الصحراء، بنخل ابن يامن والتلال الصخرية الشقراء المحدقة به، وهي جبل الشبعان وتلي المشقر والصفا التي كانت تتسلسل في أصولها مياه أنهار هجر مسمى (التقليعة المرقسية) نسبة إلى امرئ القيس بن حجر الكندي (توفي 80 ق.هـ تقريباً) الذي كان وصفه لهذه النخيل هو أول وصف يصل لنا عن شعراء العرب فيما قبل الإسلام، وعليه سار كل الشعراء الذين ذكروا هذه المواضع بعده.
ولنستمع إلى امرئ القيس وهو يقول واصفاً الجزء الواقع بين المشقر والصفا من نخل ابن يامن هذا، والكارع في ماء العين (عين هجر)، ومشبها قافلة حبيبته – وهي تسير في الآل (السراب) به؛ حيث الجمال وهي مجتمعة تشبه في شكلها ولونها جبل الشبعان، والرجال الذين يسيرون حول قافلة الجمال الخيالة منهم والرجالة تشبه النخل الذي يحيط بهذا الجبل، وفيما بينه وبين المشقر والصفا – فلنستمع إليه وهو يقول في ذكل:
بعَيْنَيَّ ظُعْنُ الحَيِّ يَوْمَ تَحَمَّلُوْا


لَدَىْ جَاْنِبِ الأفْلاْجِ مِنْ بَطْنِ تَيْمَرَا     [2]

فَشَبَّهْتُهُمْ فيْ الآلِ لَمَّاْ تَكَمَّشُوْا


حَدَائِقَ دَوْمٍ أوْ سَفِيْنَاً مُقَيَّرَا               [3]

أو المُكْرِعَاْتِ مِنْ نَخِيْلِ ابْنِ يَاْمِنٍ


دُوَيْنَ (الصَّفا) اللاْئِيْ يَلِيْنَ (المُشَقَّرَا) [4]

سَوَاْمِقُ جَبَّاْر ٍ أثِيْثٌ فُرُوْعُهُ


وَعَاْلَيْنَ قِنْوَاْنَاً مِنَ البُسْرِ أحْمَرَا         [5]

حَمَتْهُ بَنُوْ الرَّبْدَاْءِ وَاعْتَمَّ زَهْوُهُ


وَأكْمَاْمُهُ حَتَّىْ إذَاْ مَاْ تَهَصَّرَا            [6]

أطَاْفَتْ بهِ جَيْلاْنُ عِنْدَ قِطَاْفِهِ


تَرَدَّدُ فِيْهِ (العَيْنُ) حَتَّىْ تَحَيَّرَا         [7]

والعين اختلف شراح ديوان امرئ القيس في تعريفها، فمنهم من قال إنه يعني عين ماء في هجر بدون ذكر اسمٍ لها، ومنهم من قال إنه أراد عين محلم، وأرى أنا أنه أراد عين هجر التي كانت تخرج من تل المشقر، المسماة الآن بعين الخسيف، ويؤكد قولي هذا ما ورد في شعر لأبي دواد الرؤاسي، وكان أحد الفقراء الصعاليك، وقال هذا الشعر يخاطب على ما يبدو زوجته، فقال: [8]
يَا أُخْتَ دَحْوةَ بَلْ يَا أُخْتَ إخْوَتِهِمْ


مِنْ عَاْمِرٍ أوْ سَلُوْلٍ أوْ مِنِ الوَقَعَهْ    [9]

هَلْ يَكْفِيَنْكِ ضَرِيْبُ الشُّولِ ضَاْحِيَةً


وَالشَّحمُ مِنْ حَائِرِ الكَومَاءِ وَالقَمَعَهْ  [10]

وَمِثْلُ آتِيِّ ضَحْضَاْحِ الثَّمِيْلَةِ مِنْ


نَخْلِ ابْنِ يَاْمِنَ بَيْنَ الحَوْضِ وَالقَلَعَهْ [11]

والبيت الأخير يُروى في (الأصمعيات) بصورة فيها اختلاف بسيط، وهو كما يلي:   [12]
وَمِثْلُ آتِيِّ ضَحْضَاْحِ الثَّمِيْلَةِ مِنْ


نَخْلِ ابْنِ يَاْمِنَ بَيْنَ العَيْنِ وَالقَلَعَهْ

ومن الواضح من هذه الأبيات الثلاثة أنّ هذا الشاعر يريد أن يعرّف هذه المرأة بأنه ليس من الأغنياء الذين سيوفرون لها العيشة الهنيئة، فهو يسألها إن كان يكفيها لتعيش معه لبنُ النوق وشحمُها من الأكل، ومن السوائل لبنٌ قليل رقراق يشبه الماء الذي يتخلل نخل ابن يامن التاجر الهجري الشهير الذي مرّ بنا، وفي البيت الأخير منها زيادة وصفٍ لهذا النخل أنه يقع بين حوض - وهو مكان عميق يتجمع فيه المياه – أو العَيْن – حسب رواية الأصمعيات – ويُراد بها هنا نهر عين هجر، وبين القَلَعَة، وهي الصخرة العظيمة المنقدة عن جبل، ويريد بها صخرة ضخمة منقدة عن جبل كبير يقع بقربها، وهو تلّ راس القارة.
ولنعد إلى موضوعنا، فكما قلت قبل الاستطراد بشعر الرؤاسي، وهو أن الشعراء الذين جاءوا بعد امرئ القيس، وذكروا هذا النخل ساروا على ذات التقليعة التي ابتدعها امرؤ القيس، فنرى شاعراً آخر ذكرها بعد امرئ القيس بنصف قرنٍ تقريباً، وهو عديّ بن زيد العبادي(توفي≈ 35 ق.هـ)؛ شاعر الحيرة المعروف، وشاعر النعمان وكاتبه، وكان كثيراً ما يزور هجر لجباية ما للنعمان بن المنذر فيها، وقد أُخِذَ عديّ بجمال هجر وقصباتها، والنخل الذي يقع بينها كما أخذ بها سلفه امرؤ القيس، فمما ذكر له ياقوت الحموي في وصف جبل الشبعان ذلك البيت المشهور الذي أكثر باحثو المنطقة من ذكره عند ذكرهم لهذا الجبل، وهو قوله، وقد ترك مدينة هجر متوجهاً إلى نجد حيث قومه بنو تميم:
تَزَوَّدْ مِن ( الشَّبْعَاْنِ ) خَلْفَكَ نَظْرَةً
                   فَإنّ بـِلاْدَ الجُوْعِ حَيْثُ تَمِيْمُ
كما يوجد لعدي بن زيد في ديوانه المطبوع على نسخة وحيدة سقيمة بيتُ شعر ضمن قصيدة رائية ذكر فيه الصَّفا والشَّبْعان ناسباً الأول للثاني مما يدل على قربهما لبعض، وقد شبّه عديُّ بن زيد الإبل (الدّهْمُ) المنتشرة في المرعى بنخيل ابن يامن السَّامِق (الجبّار) الواقع بين الصَّفا والمشقر، فقال:
والدُّهْمُ شُعْثُ الذُّرَىْ سَوْدَاءُ تُشْبـِهُهُا
                   مِمَّاْ دَنَىْ مِنْ (صَفَا الشَّبْعَاْنِ) جَبَّاْرَا
وتكمن أهمية بيت عدي بن زيد هذا في أنه يذكر، ولأول مرّة جبل الشبعان قارناً به تل حصن الصَّفا، وجبل الشبعان ظلّ معروفاً باسمه هذا حتى وقتنا؛ حتى وإن صار يُسمى الآن جبل القارة، ويتضح من بيت عديّ قرب تل الصَّفا من هذا الجبل، وقد تقدم في شعر امرئ القيس قوله عن نخل ابن يامن ذاتها أنها "دوين الصَّفا اللائي يلين المشقرا"، وهو توصيف يدلُّ على قرب الصَّفا من المشقر أيضاً، وعليه يمكننا أن نقول إنه من المقارنة بين شعر امرئ القيس المتقدم وبيت عدي بن زيد هذا فإننا نستنتج أنّ جبل الشبعان وتل المشقر وتلّ الصَّفا كلها تقع قريبة من بعضها البعض، وأن المشقر والصَّفا يقعان قرب جبل الشبعان أي جبل القارة الآن، ولهذا فإنّ النصّ الذي ذكره ياقوت في رسم [المشقر] من معجمه البلداني كان دقيقاً جداً عندما قال فيه:
"المُشَقَّرُ: حِصْنٌ بالبَحْرَيْنِ عَظِيْمٌ لِعَبْدِالقَيْسِ؛ يَلِيْ حِصْنَاً لَهُمُ آخَرُ يُقَاْلُ لَهُ الصَّفَاْ قِبَلَ مَدِيْنَةِ هَجَرَ".
ويهمني التركيز على اللفظة الأخيرة، وهي قوله عن حصني المشقر والصّفا أنهما: "قبل مدينة هجر"، وهذا لا يُقال إلا إذا كان هذان الحصنان يُريان من مدينة هجر رأي العين.
ثم نرى أيضاً تقليعة امرئ القيس ذاتها تعود للظهور في شعر بشَاْمَة بن الغَدِيْرِالمُرِّيّ (توفي 14 ق. هـ،)،والذي يقول في شعرٍ له واصفاً الظعينة وهي تسير في السراب (الآل):
كَأنَّ ظُعْنَهُمُ، وَالآلُ يَرْفَعُهَا
                   نَخْلُ (المُشَقَّرِ)، أوْ مَاْرَبَّبَتْ (هَجَرُ)
كم نرى التقليعة المرقسية صورة طبق الأصل في شعر لعَرْفَطَة بن عَبْدِاللهِ المَاْلِكِيّ الأَسَدِيّ الذي يبدو أنه كان جاهليّاً أومخضرماً، وقد أورد له ياقوت في رسم (المشقر) قوله:
لَقَدْ كُنْتُ أشْقَىْ بالغَرَاْمِ فَشَاْقَنِيْ


بلَيْلِيْ عَلَىْ (بَنْبَاْنَ) [13]حِمْلٌ مُقَدَّرُ     [14]

فَقُلْتُ وَقَدْ زَاْلَ النَّهَاْرُ كَوَاْرعٌ


مِنَ (الثاْجِ)، أوْ مِنْ نَخْلِ (يَتْرَبَ) مُوْقَرُ

أو ِ المُكْرِعَاْتِ مِنْ نَخِيْلِ ابْنِ يَاْمِنٍ


دُوَيْنَ (الصَّفَاْ) اللاْئِيْ يَحِفُّ (المُشَقَّرُ)

والثاج هنا يريد به ثاج الموضع المشهور في أرض البحرين، ويَتْرَب كانت تقع في بلاد بني سعد التميميين بالسَّودة من البحرين. 
ثم بعد ذلك بمدة نرى وصفاً رائعاً أخاذاً لهذه النخيل؛ نخيل ابن يامن الواقعة بين الصفا والمشقر والشبعان، والكارعة في الماء طوال العام لدى شاعر فحلٍ هو لبيد بن ربيعة العامري (توفي 41هـ)، ولكنه هذه المرّة لم يحدد هذه النخيل بوقوعها بين المشقر والصّفا، وإنما حددها بتحديد آخر، وهي أنها كانت تحيط بجبل الشبعان الذي ربما لم يتفق له ذكر اسمه، فسَمّاه بصفته التي لم تتغير حتى وقتنا هذا، وهي (بارد الصَّيْف)، وكلنا نعرف أنّ هذا الجبل بالفعل كهوفه باردة في الصيف جداً، ولنستمع إلى لبيد، وهو ينشد هذه الأبيات الرائية الرائعة:
كَأنَّ أظْعَاْنَهُمْ فيْ الصُّبْحِ غَاْدِيَةً
      

طَلْحُ السَّلاْئِلِ وَسْطَ الرَّوْضِ أوْ عُشَرُ   [15]

أوْ (بَاْردُ الصَّيْفِ) [16] مَسْجُوْرٌ مَزَاْرعُهُ


سُوْدُ الذَّوَاْئِبِ مِمَّاْ مَتَّعَتْ هَجَرُ            [17]

جُعْلٌ قِصَاْرٌ وَعِيْدَاْنٌ يَنُوْءُ بهِ


مِنَ الكَوَاْفِرِ مَكْمُوْمٌ وَمُهْتَصَرُ            [18]

يَشْرَبْنَ رفْهَاً عِرَاْكَاً غَيْرَ صَاْدِرَةٍ


فَكُلُّهَاْ كَاْرعٌ فيْ المَاْءِ مُغْتَمَرُ            [19]

بَيْنَ (الصَّفَاْ) وَخَلِيْجِ (العَيْنِ) سَاْكِنَةٌ
      

غُلْبٌ سَوَاْجِدُ لَمْ يَدْخُلْ بهَاْ الحَصَرُ      [20]

وإذاً فهذه النخيل التي ذكرها لبيد هي تحيط بجبل الشبعان (بارد الصّيْف)، وهي كما في البيت الأخير بين (الصّفا) و(خليج العين)، وقد فسّر بعض شراح شعره أنّ العين هي عين محلم، وهو خطأ في رأيي، فالعين هنا يراد بها نهرُ عين هجر، ولا زال يُسمى حتى يومنا هذا (نهر العين)، وهو كان يمرُّ بمحاذاة السفح الشمالي لجبل الشبعان (القارة)، وعليه فإنّنا ما دمنا قد عرفنا موضع خليج العين، وانه كان يجري بمحاذاة السفح الشمالي لجبل الشبعان، فهذا يعني أنّ الصّفا يقع للشمال منه ما دام هذا النخل يقع بين هذا الخليج وبين الصّفا، وهذا ما عليه الأمر، فحصن الصّفا كان يقع على تلّ (أبو الحصيص)، وهو بالفعل يقع شمال جبل الشبعان؛ أي شمال خليج العين المذكور.
ومن كل ما تقدم يتضح لنا أنّ هذه المواضع، وهي المشقر والصفا ومدينة هجر كانت كلها قريبة من بعضها، وكانت تقع بالقرب من جبل الشبعان المعروف الآن بجبل القارة، وفيما بين هذه التلال كان يقع نخل ابن يامن الذي شغل شعراء العرب بجمال منظره، فسطروا فيه هذا الشعر الرائع الذي ذكرته فيما مضى، والذي بفضله صار بإمكاننا فهم النّصوص الشهيرة التي قيلت في تحديد هذه المواضع، ومنها قولٌّ لشخص مجهول ذكره ياقوت في (معجم البلدان) في رسم [المشقر] جاء فيه قوله:
""المُشَقَّرُ: حِصْنٌ بالبَحْرَيْنِ عَظِيْمٌ لِعَبْدِالقَيْسِ؛ يَلِيْ حِصْنَاً لَهُمُ آخَرُ يُقَاْلُ لَهُ الصَّفَاْ قِبَلَ مَدِيْنَةِ هَجَرَ".
وكذلك نصّ ابن الكلبي عندما قال في نصّه الذي دونه الطبري في تاريخه، وهو قوله عن وقعة المشقر بهجر، ومجيء بني تميم لأخذ أقواتهم التي وعدوا بها:
"فَحَضَرُوَا، فَأَدْخَلَهُمِ الْمُشَقَّرَ، وَهُوَ حِصْنٌ حِيَالَهُ حِصْنٌ يُقَالُ لَهُ الصَّفَا، وَبَيْنَهُمَا نَهْرٌ يُقَالُ لَهُ مُحَلِّمٌ".
ونص أبي عبيدة، وهو أفضلها، وأدقها واشملها حين يقول:
"وقَصَبَةُ هَجَر الصَّفَا والمُشَقَّر والشَّبْعَان، والمسْجدُ الجَامِعُ في المُشَقَّر، وبين الصَّفَا والمُشَقَّر نَهْرٌ يجْرِي يُقَالُ لهُ العَيْن". [21]
وللمناسبة، فإنّ العين في هذا النص الأخير كما في نص الكلبي قبله يراد بها عين محلم وليس عين هجر؛ لأنّ نهر عين محلم هو الذي كان يجري بين الصّفا والمشقر، وأما نهر عين هجر، فقد كان يجري من منبعه من تلّ رأس القارة أو تل المشقر، ويجري بمحاذاة السفح الشمالي لجبل الشبعان حتى يصل التويثير.
وإذاً فهذه النصوص الثلاثة وغيرها صارت واضحةً لنا الآن، ونستطيع أن نفهمها بسهولة بعد أن قرأنا تلك النصوص الشعرية القديمة التي أوضحت الصورة لنا.
وبالمناسبة فإن عنوان كتابي (هجر وقصباتها الثلاث ونهرها محلم) الذي استللت معظم هذا البحث منه مع إضافات قليلة كان لا بد منها هو مقتبس من نص أبي عبيدة الأخير.



صورة خلابة لنخل ابن يامن في هجر، وهو النخل الذي لهج بذكره شعراء العرب
كما رأينا في البحث، وقد ذكر هذا النخل بإعجاب أمرؤ القيس الشاعر المشهور بقوله:
أو المكرعات من نخيل ابن يامن     دوين الصّفا اللائي يلين المشقرا
وذكره كثير غره من شعراء ما قبل الإسلام وبعده، وهو النخل الذي كان يقع بين قصبات
هجر: المشقر الذي تبدو صورته عند بيوت بلدة القارة، والشبعان، وهو الجبل
الشهير الذي يُسمى الآن بـ(جبل القارة)، وهو هذا الجبل الذي يقف عليه الرجل،
والصَّفا، وهو  جبل أبو الحصيص الواقع شمال 
التويثير إلى يمين هذه الصورة، ولكنه لا يبين فيها، ولو لاحظتم بقعة الماء خلف
ظهر الرجل الواقف على الجبل، فإنها جزءٌ من نهر العين (عين هجر) التي كانت تنبع
من تل راس القارة (المشقر).
وبالمناسبة، فإنّ هذا النخل لم يخلب قلوب الشعراء العرب فقط؛ بل إنه خلب قلوب المصورين
الغربيين والأمريكان، وتوجد الكثير من الصور التي التقطوها لهذا النخل وهذا التل بالذات.

الصورة: لا أعرف ملتقطها، قد تكون مجلة العربي أو غيرها.


وها هي إحدى الصور لجبل رأس القارة (المشقر) ونخل ابن يامن الملتف حوله
التقطها تور إيجلاند، وهو مصور صحفي مستقل عمل لعدة مجلات عالمية مثل:
(National Geographic)، (Time)، و(Newsweek)، ثم عمل لخمس سنوات
في مجلة عالم أرامكو (Aramco World)، وهذه الصورة ضمن عدة صور 
ضمنها مقاله الذي نشره في أحد أعداد هذه المجلة بعنوان: 
(قال النبي "اللهم بارك ماء الأحساء"، ولقرون لاحقة كان هناك إمداد مائي وفير)
والتعليق أسفل الصورة هو لهذا المصور نفسه، ومنه الفقرة الأولى التي ترجمتها:
"سفينة في بحر من نخيل التمر".

الصورة: من أرشيف توم إيجلاند كما سبق وقلت، وقد أجري عليها بعض التعديل
بواسطة برناج (Photoshop).


وهذه صورة جميلة جداً لقصبات هجر الثلاث؛ الشبعان (جبل القارة)،
والمشقر (تل راس القارة)، والصّفا (تل أبو حصيص الواضح هذه المرة
في مقدمة الصورة، وحياله أو يقابله كما ورد في نص ابن الكلبي المشقر (راس القارة)،
وبينهما كان يجري نهر محلم العظيم الذي كان آخر ما تبقى منه نهر الأبابي.

الصورة: التقطها الصديق الدكتور مرعي الشخص من بلدة القارة.


وهذه أيضاً صورة لتل المشقر الشامخ الذي نحت الفرس بداخله غرفاً وبئراً من أعلاه إلى أسفله
حيث عين هجر التي لا يبدو مخرجها واضحاً بسبب بعض الصخور التي تخفيه، وقد بدت في
الصورةبيوت بلدة القارة التي تكتنف هذا التل، وهذا النخل الذي يحيط بهذا التل من الجنوب
والشرق والشمال هو نخل ابن يامن الشهير في هجر، وهو يمتد إلى تل أبي الحصيص الواقع شمال
التويثيركما رأينا في الصورة السابقة.

الصورة: منشورة في موقع (الأحساء قديماً) كما هو واضح أعلاها.


نعم هذا هو المشقر كما يبدو في وسط الصورة الملتقطة من جبل الشبعان لا زال
كما كان شامخاً مهيباً، وزاد من هيبته هذه الصخرة في أعلاه التي تشبه الرؤوس كما فصل ذلك
في كتابي (هجر وقصباتها الثلاث ونهرها محلم)، والذي استللت منه هذا البحث كما أشرت.

الصورة: لا أعرف ملتقطها المبدع بالفعل، وهي من المشاع في الشبكة العالمية (الإنترنت).





[1] أحمد بن محمد المرزوقي: الأزمنة والأمكنة (حيدر أباد الدكن: دائرة المعارف النظامية؛ الطبعة الأولى 1332هـ) ج2: 162، وسأشير إلى المؤلف لاحقاً باسم (المرزوقي)، ولكتابه باسم (الأزمنة والأمكنة). 
[2] الظُّعْن جمع ظعينة، وهو الهودج على الجمل تكون فيه المرأة، وتيمر موضع بعالية نجد، وكذلك الأفلاج. 
[3] الآل: السراب، وتكمشوا: أسرعوا، وحدائق دوم: أراد دومة الجندل فرخَّم دومة وحذف المضاف إليه. 
[4] المكرعات هي النخيل التـي لا يفارق الـماءُ أُصولَها. 
[5] سوامق: أي نخل طوال جداً، والجَبَّار من النخل هو العالي الذي يفوت يد المتناول، وأثيث: أي كثير مُلتَفّ، والقنوان: عذوق النخل، والبسْر هو الرطب قبل أن يصبح تمراً. 
[6] الزهو: البُسر من الرطب حين يبدأ تلوّنه، وأكمامه: جاء في لسان العرب .. قال أَبو حنـيفة: كَمَّ الكَبائس يكُمُّها كَمّاً وكَمَّـمها جعلها فـي أَغْطِية تُكِنُّها كما تُـجعل العَناقـيد فـي الأَغْطِية إِلـى حين صِرامها، واسم ذلك الغِطاء الكِمام، .. التهذيب: الكُمُّ كُمُّ الطلع، ولكل شجرة مُثمرة كُمٌّ، وهو بُرْعُومته، وكِمامُ العُذوق: التـي تـجعل علـيها، واحدها كُمًّ، وتَهَصَّر: أي تَذلَّل. 
أقول: وعلى ذلك فإن الأكمام هنا أراد بها ما يحوط طلع النخلة، ويُعرف في المنطقة اليوم باسم القُرْفْ. 
[7] تحيّرا: أي أنّ ماء عين محلم يجري في أصول هذه النخيل حتى يصل إلى موضع مرتفع فيرتدّ. 
[8] أحمد بن سليمان = أبو العلاء المعري: رسالة الصاهل والشاحج؛ تحقيق عائشة عبد الرحمن (القاهرة: دار المعارف 1984م) الصفحة 525. 
[9] دحوة بن معاوية بن بكر بن هوازن، والوقعة هم عوف بن معاوية بن بكر بن هوازن. 
[10] الضريب: اللبن يخلط محضه بحقينه، والشّول: النوق اللواقح، والكوماء من النوق العظيمة السنام، وحائرها: ودقها، والقمعة أعلى السنام من البعير أو الناقة. 
[11] الآتيّ: النهر الذي يجري فيه الماء إلى الحوض، وقيل الجدول يؤتيه الرجل إلى أرضه، والضحضاح: الماء القليل الرقيق الذي لا يتعدى الكعبين، والثميلة: البقية من الماء في الحوض أو الصخرة، والحوض حوض الماء معروف، والقَلَعَة محركة اللام: الصخرة الضخمة تنقلع عن الجبل منفردة صعبة المرتقى، والقلّعة من الحصون: ما يُبنى منها على شعف الجبال الممتنعة. 
[12] أبو العلاء المعري: رسالة الصاهل والشاحج؛ الصفحة 525 هامش (4). 
[13] كانت في الأصل: "بنيان"، والصحيح أنها بَنْبَان، وكان حتى وقت قريب اسمٌ لقرية معروفة بالاسم نفسه تقع شمال الرياض بحوالي خمسين كيلومتراً، وهي مورد ماء قديم ذكره ياقوت في معجم البلدان في رسمها، وذكر أنه منهل باليمامة من الدهناء به نخل لبني سعد من تميم. 
[14] بُنْيان: قرية باليمامة يسكنها بنو سعد بن زيد مناة بن تميم. انظر رسمها في معجم البلدان للحموي. 
[15] الطَّلْحُ والعُشَرُ: من الأشجار البريّة، والسلائل وادٍ بين الفُرع والمدينة المنوّرة. 
[16] لم يلتفت شارحو ديوان لبيد إلى معنى قوله: "بارد الصَّيف"، فذهبوا إلى أنه قصد بذلك الماء المسجور الممتلئ (انظر شرح الديوان بتحقيق إحسان عباس؛ الصفحة 59)، ولا أعرف كيف غاب عنهم أنّ لبيداً في حالة تشبيه لقافلة الجمال وهي سائرة في البر، فشبهها في البيت السابق بطلح السلائل أو أشجار العُشر، وكلا الشجرتين لهما من العُلوّ ما يجعلهما بارزتان للعيان من مسافة بعيدة بحيث يراهما الناظر، فكيف يشبه هذه القافلة نفسها في البيت التالي بالماء المسجور المحاط بالمزارع؟!، ومثل هذا النوع من الماء لا يبين للناظر إلا إذا خاض فيه؟!، وهذا ما جعلني ألتفت إلى أنّ لبيداً أراد بـ"بارد الصيف" شيئاً عالياً مرتفعاً يبين للناظر من بعد حتى يتسنى له تشبيه الظعينة به، وبالتالي فإنّه أراد به جبل الشبعان الجبل الشهير المعروف الآن بجبل القارة لأنّ هذا الجبل مشهور عنه أنه ذو كهوف تمتاز بالبرودة العالية جداً في فصل الصيف، فسماه (بارد الصيف) لذلك، ولأنّ الوزن لم يتح له ذكره باسمه، وهو ما ينطبق عليه صحة التشبيه، فهذا الجبل يُرى من مسافة بعيدة، ولأنّ القافلة يكون بها الجمال، وهي شقراء اللون عادة، فشبهها بأنها تبدو من بعد مثل هذا الجبل الأشقر هو أيضاً؛ كما شبه المحيطين بالقافلة من الفرسان والأدلاء وراكبي الخيول والحمير بما عليهم من ثياب مزركشة وملونة بالنخيل العظيمة المحيطة بجبل الشبعان في منظر ولا أروع، وسيرى القارئ صورة لهذا الجبل والنخيل تحيط به كإحاطة السوار بالمعصم حتى كأنه مسجورٌ بها بما ينطبق عليه وصف لبيد انطباقاً تاماً. 
[17] المسجور: الممتلئ، والذوائب: ظفائر الشعر استعارها لتشبيه سعف النخلة بها. 
[18] الجُعْل: جمع جَعْلة، وهي النخلة القصيرة، والعيدان: النخيل الطّوال، والكوافر: هي غطاء الطلع التي تُسمى بالكبائس، والمكموم: المغلَّف الذي لم يتفقأ، والمهتصر: المذللة عذوقها. 
[19] رفْهاً: أي تشرب متى شاءت، وأصله للإبل استعاره للنخل، وعراكاً: مزدحمة، والكارع: كلّ خائضٍ في الماء شرب أم لم يشرب. 
[20] الغلبُ: الطوال الغلاظ الأعناق، والسواجدُ: المائلات الرؤوس، والحصر: الضِّيق. 
[21] أحمد بن محمد الهمذاني = ابن الفقيه: مختصر كتاب البلدان (ليدن: طبعة بريل 1302م) الصفحة 30.

الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

تحقيق ما ورد في كتاب (مدينة الحديث) للسيد نعمة الله الجزائري عن معمر بن الغوث السنبسي

تحقيق ما ورد في كتاب (مدينة الحديث) للسيد نعمة الله الجزائري
عن معمر بن الغوث السنبسي


إنّ الجملة التي أثارت الإشكال هي التي وردت في الصفحة 174 من كتاب (مدينة الحديث؛ الجواهر الغوالي في شرح عوالي اللئالي) للسيد نعمة الله الجزائري المتوفى في 1112هـ، وهذه الجملة يقول نصها بعد ذكر معمر السنبسي:

"في الحاشية: منسوب إلى قبيلة يُقال لها سنابس يسكنون البحرين".

وأول ما يلاحظ في هذا النصّ هو وجود اضطراب واضح، فهو عندما يقول كاتب هذا النص إن السنبسي "منسوب إلى قبيلة"، فإن صحة وسلامة النطق يفرضان عليه أن يقول بعد ذلك: "تسكن البحرين"؛ لا أن يقول: "يسكنون البحرين"، وهنا يجب أن نلتفت إلى ما ذكره المحققان في الحاشية عند موضع الجملة الأخيرة، فقد ذكرا أن الجملة كتبت في نسخة أخرى - رمزا لها بالحرف (ب) – بهذه الصورة:

"في الحاشية: منسوب إلى قبيلة يُقال لها سنابس في البحرين".

فإذا كانت هذا القراءة هي القراءة الصحيحة التي كتبها صاحب النص، فبالإمكان حينها أن يقع ما يخشاه الباحثون والمحققون في مثل هذا النوع من النصوص، وهو وقوع التحريف أو التصحيف فيه، فكلمة (قبيلة) في هذا النص من الجائز أن تكون قد تحرَّفت عن كلمة (بلدة)، وعندها يكون صحة الجملة كما يلي:

"في الحاشية منسوب إلى بلدة يُقال لها سنابس في البحرين".

وبهذا الرأي - إن صح - ينتهي الإشكال، ويكون (السنبسي) نسبة إلى سنابس الاسم الذي تحمله بلدتان في البحرين الكبرى، والتي توجد بعض الوثائق المحلية التي تنسب إليهما أو إلى إحداهما بلفظ (السنبسي).

وأما إذا كانت قراءة نسخة الأصل الذي اختاره المحققان للكتاب هي القراءة الصحيحة، وأنّ سنابس هي قبيلة كانت تسكن البحرين، وأنها هي التي ينسب إليها معمر بن الغوث السنبسي، فإنّ البحث حينها ينحصر حول تساؤلين اثنين:

الأول: هل كان يوجد في البحرين قديماً قبيلة كانت تسمى (سنابس)، والنسبة إليها سنبسي.؟

الثاني: هل الراوي معمر بن الغوث السنبسي هو من هذه القبيلة، أو يُنسب إليها؟

وسأبدأ كلامي بمحاولة الإجابة على السؤال الثاني، فالراوي معمر بن الغوث السنبسي حسب ما يُفهم من رواية ذكرت في البحار هو من رجال القرن السابع الهجري، فقد ذكر في هذه الرواية دخوله الحلة السيفية قبل سقوط بغداد بسنتين أي إن دخوله للحلة كان في العام 654هـ، وإن كانت الرواية التي تروى عنه تفيد أنه كان يُعرف نفسه بأنه كان غلاماً للإمام الحسن العسكري!! وأنه شهد ولادة الإمام المهدي!! أي إنه وفق هذه الرواية يكون قد عاش 400 سنة أو أكثر – وهو أمرٌ مربك تاريخياً – إلا أنني سأتغاضى عن هذا الآن، وأقف عند قوله إنه كان غلاماً للإمام العسكري، وهو يعني أنه لم يكن عربياً، وعليه فالأقرب أنه كان مولى لقبيلة سنبس الطائية الشهيرة الذين كانوا يسمون أيضاً (السنابسة) ، فكانت بطون هذه القبيلة الطائية في القرون السادس والسابع والثامن الهجرية متوزعة بين العراق والشام ومصر، فقد ذكر الحمداني أنهم كانوا منتشرين في بطائح العراق جنوب العراق (قلائد الجمان؛ ص87)؛ كما سجل ابن العديم في (بغية الطلب) وجودهم في حلب، وذكر غيره من المؤرخين وجودهم في جنوب فلسطين بمنطقتي الرملة والداروم (المقريزي؛ اتعاظ الحنفا ج2: 220)، ومن هاتين المنطقتين استقدمهم الفاطميون في منتصف القرن الخامس الهجري إلى مصر عند قيام ثورة بني قرة الهلاليين على الدولة الفاطمية، فكان للسنابسة دورٌ كبير في إخماد ثورة القريين.

ولكثرة تواجد هذه القبيلة في جنوب العراق وبلاد الشام، فقد شهدت القرون السادس والسابع والثامن تدوين عدة أعلام يُطلق عليهم (السنبسي) نسبة إليهم؛ منهم شعراء كثر ومحدثون وأدباء ورؤساء، وغير ذلك، ففي القرن الثامن الهجري ترجم ابن حجر (في الدرر الكامنة) لمن أسماه بأبي بكر بن أحمد بن برق السنبسي، وذكر أنه كان أمير عشرة بدمشق وأنه مات في شعبان سنة 709هـ، وأما في العراق فكان من الملاحظ أنه كان يوجد في الحلة وما حولها أكثر من علم ينتمون إلى (سنبس) أو ينعتون بـ(السنبسي)، ومنهم:

*   محمد بن خليفة بن حسين السنبسي شاعر سيف الدولة الأسدي في الحلة، وهو من رجالات القرن السادس الهجري (توفي 515هـ).

*   محمد بن سلطان بن خليفة أبو عبد الله السنبسي الحلي المتوفى عام 588هـ.

*  علي بن محمد السنبسي شاعر مدح الخليفة المستظهر العباسي في القرن السادس الهجري.

صَفِيُّ الدِّين الحِلِّيْ السِّنْبِسِيّ الشاعر المشهور، وهو من رجالات القرن السابع الهجري.

وهؤلاء كلهم سنبسيون طائيون، وكلهم شيعة أيضاً؛ بل إن سنبس الطائية يستشف من اختيار الفاطميين لهم لمحاربة الهلاليين الذين ثاروا عليهم بمصر يستشف من ذلك أنهم كانوا يتشيعون، وقد أسكنهم الفاطميون بعد استقدامهم لمصر في بلاد البحيرة (البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب؛ ص9)، ولذلك صار يطلق عليهم لاحقاً مسمى (سنابسة البحيرة)، ومن الجائز أن تتحرف البحيرة إلى البحرين بسهولة، فليلتفت إلى هذ أيضاً.

وعليه فإنّ معمر بن الغوث السنبسي الذي دخل الحلة في القرن السابع الهجري لا ينبغي أن تنصرف نسبته (السنبسي) إلى غير قبيلة سنبس الطائية إلا بدليل ناهض.

وأعود الآن للحديث عن التساؤل الأول، وهو هل كان يوجد في البحرين قبيلة تدعى (سنابس) كما ورد في نص كتاب (مدينة الحديث) أعلاه؟.

من خلال قراءتي وتتبعي لم أجد فيما قرأت أو اطلعت عليه ما يفيد بوجود قبيلة في البحرين تحمل اسم (سنابس) أو (سنبس) أو حتى (سنابسة)؛ نعم ذكر في التاريخ أنّ بطوناً من قبائل طي قصدت البحرين أيام الدولة العيونية لمحاربة هذه الدولة والبطون العُقيلية التي كانت تسيطر على بادية البحرين بقصد طردهم منها واحتلالها من قبلهم كما ذكر ذلك بالتفصيل في شرح الديوان المقربي مما يعني أنه كانت لقبيلة طي وبطونها طمع في ملك البحرين، ولكن الذين غزوا البحرين هم قبائل آل فضل وعُنين من طيّ، ولم يذكر أنه كان معهم بنو سنبس، وإن كان ذلك لا يمنع أن يكون معهم منهم، فهم كلهم من قبيلة طي في النهاية، وقد ذكر القلقشندي في (قلائد الجمان) أنّ آل فضل كان ينضم إليهم طائفة من بني سنبس، ومن يدري فربما قدموا معهم في هذه الغزوة البحرانية أو غيرها إلى البحرين وتخلف منهم قوم فيها، وهو ما يؤيده قول المغيري في كتابه (المنتخب في ذكر نسب قبائل العرب) إنّ من بطون سنبس بنو رميح القبيلة المعروفة في البحرين وقطر؛ يقال للواحد منهم (الرميحي)؛ كما ذكر الحمداني أن من بطون سنبس الطائية الخزاعل، والعبيد، وذكر عن الخزاعل أنهم كانوا سادة بني سنبس في العراق ومصر في وقته (القرن السابع الهجري)، والخزاعل هؤلاء هم الذين كونوا لهم دولة في جنوب العراق بعد ذلك كما هو معروف، وإن كان من المهتمين بالأنساب من نسبهم إلى خزاعة اعتماداً على تشابه الاسمين الخزاعل والخزاعيين إلا أنّ العزاوي فند انتسابهم إلى خزاعة، وأكد انتسابهم إلى السنابسة من طيّ.

وملخص الأمر هو أننا لا نملك دليلاً ناهضاً على أنه كان يوجد في البحرين في الأوقات المتقدمة قبيلة أو بطنٌ يقال لهم (سنابس) أو (سنابسة)، ولكننا نعرف أن الجهل بالشيء لا يفيد العدم، وبعض القرائن التي قدمتها قد تقوي وجود قبيلة أو جماعة أو بطن كان يقال لهم (السنابس) نسبة إلى (سنبس) الطائية، ولكن من المستبعد أن يكون معمر بن الغوث السنبسي منهم، فهذا الرجل يكاد يكون نكرة، ومسألة عمره الذي أناف على القرون الأربعة يزيد الفكر العلمي توجساً حتى من مجرد القول بوجوده، والخبر الوحيد الذي ذكر عنه يفيد أنه كان في العراق، وأنه سكن الحلة منها، وليس لدينا من دليل على أنه من البحرين، ثم من قبيلة منها تدعى (سنابس) إلا هذا النص المذكور في كتاب (مدينة الحديث) للسيد نعمة الله الجزائري المتوفى في القرن الثاني عشر، والذي يعلق فيه على كتاب لابن أبي جمهور من أهالي القرن التاسع الهجري.

ويبقى البحث مستمراً لمن أحب.

الاثنين، 15 أغسطس 2016

الهفوف عاصمة الأحساء الأخيرة

الهفوف عاصمة الأحساء الأخيرة

الهُفُوْف: هي - كما يُسمع من كبار السنّ من أهل الأحساء - هَاءٌ مضمومة تليها فاءٌ مخفّفة مضمومة أيضاً، ثم واوٌ ساكنة تليها فاءٌ أخرى وهكذا وردت في شعر ابن معتوق الموسوي في القرن الحادي عشر الهجري، ومنهم مَنْ ينطقها بتشديد الفاء الأولى، ويبدو أنّ هذا هو الأصل فيها ثمّ خُفِّفت، فقد وردتْ بفاءٍ مشدّدة في شعر شاعر قطيفي من القرن الثاني عشر الهجري يُدعى علي بن محمد بن حبيب الخطي، وذلك في بيت شعرٍ أضحى مشهوراً عند أدباء ومثقفي المنطقة، وهو الذي يقول فيه:[1]

مَهْلاً مُهَفْهِفَةَ الهُفُّوْفِ مِنْ هَجَرِ



أرَنَّةُ الصَّوْتِ ذِيْ أمْ نغمةُ الوَتَرِ

وهناك تسمية أخرى لهذه المدينة، وهي (الهُفْهُوف) التي لا يستخدمها الأهالي الآن، ولكن أشار إليها بعض الكتاب والباحثين من العرب وغيرهم، وأولهم - حسب اطلاعي - هو الدخيل[2]، ثم فيدال[3]، وبعدهما ابن عبد القادر[4]، ووافقه عليه الجاسر في تذييله على كتابه التحفة مستشهداً ببيت ابن حبيب الخطي هذا، ولكن بعد استبدال كلمة (الهُفُّوف) – المشدّدة – بكلمة (الهُفْهُوف)، ويبدو أنّ الذي جعله يقول بذلك هو ظنّه بأنّ حرف الفاء في كلمة (الهُفُّوْف) الواردة في بيت ابن حبيب الخطي كانت مخفّفة، وبالتالي فإنَّ وزن البيت ينكسر بعكس لو قُرئت بتشديد الفاء وهو الصحيح لأنّ هذا البيت أقدم من ذكره– بحسب اطلاعي – هو الشيخ يوسف بن أحمد آل عصفور البحراني - المتوفى عام 1186هـ - في كشكوله، وعنه نقله الشيخ علي البلادي البحراني في أنوار البدرين، وكلاهما كتبها الهفوف بهاء واحدة وفاءٍ مشدّدة، ولكن لأنّ المطابع لا تهتم بالتشكيل غالباً، فإنها تكتبها من دون شدّة على الفاء، ومن هنا جاء اللبس في القراءة، وعلى العُموم، فتسمية الهُفْهُوْف هي تسمية عربية صحيحة أيضاً غير أنني أرجّحُ أنّ التسمية القديمة لدى السكّان الأصليين هي الهُفُّوْف، ولكن نظراً لكون هذه المدينة محطة هجرة واستقطاب للقبائل العربية القادمة إليها من داخل الجزيرة العربية، والتي استوطنت أسرٌ وعوائل كثيرة منها لمدينة الهفوف، وأصبحوا من ذوي الشأن فيها، فإنني أرى أنّ هذه الأسر والعوائل النجدية الأصل لم تكن تستسيغ نطق الهُفُّوْف بتشديد الفاء فأبدلتها إلى الهفهوف التي كانت مستساغة في لسانهم أكثر كما أشار إلى ذلك فيدال.[5].

وأياً كان الأمر، فمن الواضح أنّ (الهُفُّوْف) و(الهُفْهُوف) مشتقتان من لفظتي (الهفَّاف) و (الهفْهَافَة)، وقد جاء في لسان العرب:

"ريح هَفّافة وهفهافة: سريعة المَرّ، وهَفَّت تَهِفُّ هَفّاً وهَفِيفاً إذا سمعتَ صوتَ هُبوبها، وفي حديث علي، كرَّم اللّه وجهه، في تفسير السَّكِينة: هي ريح هَفّافة أَي سريعة المُرور في هبوبها، والريح الهفّافة: الساكنة الطيبة".[6]
وإنما أطلت في التعريف اللغوي هذا لترجيحي أنّ اسم الهفوف هو مشتق لغوي يعني المكان ذي الهواء الطيب السريع المرور، ولا غرابة في ذلك، فقد كانت الهفوف تقع بين حدبتين صخريتين إحداهما من الغرب، والأخرى من الشرق والشمال الشرقي، فكان ذلك بمثابة القلمة التي يمر من خلالها الهواء محدثاً تلطيفاً لحرارة الجو، وكان هذا عموماً هو ما جعل الكثير من سكان الواحة والوافدين إليها يفضلون السكن في هذا المكان.
متى نشأت مدينة الهُفوف
إنّ المراد من هذا العنوان هو معرفة الزمن الذي أطلق مسمى الهفوف على الموضع المعروف به الآن في الأحساء، والذي هو الآن عاصمتها الأولى، وينبغي التفريق بقوّة هنا بين تاريخ المكان وتاريخ التسمية، فالمكان الذي يُطلق عليه اسم الهفوف لا ريب أنه كان آهلاً بالسكان من قديم الزمان، ففضلاً عن بعض الاكتشافات التي حصلت صدفة في بعض أماكن هذا الموضع، فإنّ موضعاً استراتيجياً بهذا الجمال والخصب، ومرتفعاً عما حوله، وتحيط به هذه الواحات الغنّاء من بساتين النخيل التي تتخللها عيون ماء هدارة خرارة عظيمة كعيون الخدود والحقل من الشرق، وعين أم خريسان من الشمال، وعين البحيرية من الغرب مع بضع عيون أخرى تحيط به أو هي تقع ضمن حدوده؛ لا يمكن أن نقول عنه إنه كان خالياً من السَّكن في الزمن القديم، فهو كان مسكوناً بلا شك، ولكن هل كان له ذات الاسم أي الهفوف أم كان له اسمٌ أو أسماء أخرى كان يُعرف بها ؟ هذا ما لا نعرفه على وجه اليقين.

لا شك أنّ ندرة المصادر التاريخية عن أي مدينة هو مما يعيق الباحث عن تقديم معلومات دقيقة عن تاريخ نشوئها وبنيانها، وهو ما ينطبق عليه الحال بخصوص مدينة الهفوف التي لا نجد لها ذكراً في مؤلفات القرن العاشر وما قبله، وأما مؤلفات القرنين الحادي عشر والثاني عشر، فالذي يوجد فيها عن هذه المدينة من معلومات هو نزرٌ يسير لا يبلُّ صدى ولا يروي ظمأ، وإزاء ذلك فإنه لا يمكننا أن نجزم بوقت إطلاق مسمى الهفوف على المدينة التي تحمله الآن إلا أنه يمكننا أن نستنطق بعض الشواهد التاريخية والشعرية المتفرقة في بطون الكتب للإجابة على سؤال ملح، وهو هل كان يوجد سكانٌ في هذا الموضع المعروف الآن بالهفوف بغض النظر عن كونه كان يُسمى الهفوف أم غير ذلك من الأسماء.

ولكن قبل ذلك أود مناقشة رأي أستاذنا الشيخ حمد الجاسر– رحمه الله –في أنّ مدينة الهُفوف أنشئت في القرن العاشر اعتماداً منه على نقش المسجد المعروف بمسجد الدِّبْس الواقع حالياً جنوب غرب القصر الشهير المعروف بـ(قصر إبراهيم باشا)، فقد كتب في هذا النقش أنه شُيّد من قبل أحد ولاة الأحساء العثمانيين سنة تسع مئة وثلاث وستين للهجرة، وفي رأيي إنّ ذلك غير كافٍ في التدليل على أنّ المدينة أسست في ذات العام؛ فضلاً عن أنه غير كافٍ للتدليل على إطلاق مسمى الهفوف عليها في العام ذاته، فقد يكون بناء المساجد قد تم بعد تأسيس المدينة التي بُني فيها بمدة طويلة، ويجوز أيضاً أن يكون اسم الموضع الذي أسس فيه هذا المسجد لم يكن يسمى الهفوف حينها، أو كان كذلك.

وقد ورد في شعر ابن المقرب الأحسائي ما يفيد بوجود استيطان من قبل قومه العيونيين لموضع الهفوف في القرن السابع الهجري، وإن كان ذلك قد يعني أيضاً المبرز أو كلي المدينتين، فقد ذكرت مخطوطة المكتبة الرضوية بطهران قراءةً لأحد أبيات قصيدة ابن المقرب التي أولها:[7]

أبى الدهر أن يلقاك إلا محاربا



فجرد له سيفاً من العزم قاصبا

وهي التي يقول فيها:[8]

إذا أنت ألقيت العصي مخيماً



بالاحسا وجاورت الملوك الأطايبا

فيمم لجرعاء الشمال فإن لي



بها حلةٌ أشتاقها وملاعبا

وقف وقفةً بالدرب غربي (باهِلٍ)



فثم تلاقي أسرتي والأقاربا

فتلقى ملوكاً كالأهلة لم تزل



تهش إلى الجُلى، وتأبى المعائبا

فـ(باهل) في البيت الثالث هي ما يعرف الآن بـ(باهلة)، وهي عين كانت تقع إلى الشرق من الركن الشمالي الشرقي لسور مدينة الهفوف بمسافة كيلو مترين ونصف تقريباً، فقوله غربي باهل قد يقصد به موضع الهفوف سواءً أكان اسمها الهفوف حينئذٍ أم غير ذلك، فيبدو أن بقايا العيونيين في آخر حكمهم للبلاد قد تركوا عاصمتهم القديمة مدينة الأحساء التي تقوم اليوم قرية البطالية على آثارها وسكنوا الموضع الذي تقوم عليه الآن مدينة الهفوف بدليل قول ابن المقرب: "فثم تلاقي أسرتي والأقاربا"، وقوله: "فتلقى ملوكاً كالأهلة"، والجدير بالذكر أنه لا زال يوجد حتى اليوم دربٌ قديم كان يمرُّ بقرب عين باهلة، ويؤدي إلى مسورة الهفوف غرباً وهو الطريق الرئيسي القديم الذي يوصل بين الهُفُّوف وقرى الجبيل والحليلة والعُمران،والقرى المحيطة بجبل القارة (الشبعان) وما حولها شرقاً، وقد قُيِّر هذا الدرب الآن.

والرواية المحلية التي نقلها فيدال عن أهالي الهفوف وقت زيارته للأحساء عام 1953م عن أصل تكون مدينة الهفُوف تكاد تتفق مع هذا الذي يُفهم من شعر ابن المقرَّب، فملخص هذه الرواية التي ذكرها عنهم حول نشأة مدينة الهُفوف هو أنّ بعض الناس الأغنياء من داخل الواحة كان لديهم بضع حدائق نخيل وبيوت ريفية في موضع الهفُوف الآن قبل أن يصبح مدينة، وكانوا يستعملونها في الصيف أو للتسلية مع الأصدقاء أثناء أمسيات الدورة السنوية في هذا المكان البارد والمنعش، والذي أعطي اسم الهفوف لذلك، ثم أصبح لاحقا مستوطنة دائمة أصبحت على حجمها الحالي بمرور الوقت.[9]

الهفوف في الوثائق الأحسائية
وأما عن ورود اسم الهفوف في الوثائق الأحسائية القديمة، فقد نشرت إحدى الصحف المحلية قبل بضع سنوات وثيقة وصفتها بأنها أقدم وثيقة أحسائية ورد فيها اسم الهفوف، وزعم إنها مكتوبة عام 885 للهجرة،[10] وهو كلامٌ عارٍ من الصحة، فهذه الوثيقة ليست النسخة الأصلية التي كتبت عام 885هـ، وإنما هي – وفق ما كتب ناشر الخبر – منسوخة عن منسوخة النسخة الأصلية.

ومنسوخة منسوخة النسخة الأصلية هذه كتبت وقت تولي الشيخ عبد الله بن أبي بكر الملا لقضاء الأحساء، والشيخ الملا هذا توفي سنة 1309 هجرية، فيكون تاريخ هذه المنسوخة المعروضة في الجريدة قريباً من هذا التاريخ، وكذلك النسخة التي استُنسخت نسخة القاضي الملا عنها هي الأخرى ليست الأصلية، وإنما تم نسخها عن النسخة الأصلية، وذلك في أيام تولي الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن حسين العدساني لقضاء الأحساء الذي تدل الوثائق على أنه تولى ذلك بين العامين 1166 – 1183 للهجرة، وعليه يكون تاريخها في هذه الفترة، وأما النسخة الأصلية المزعوم أنها كتبت عام 885 للهجرة، فهي غير موجودة ولا يُعرف عنها شيء، وبالتالي فإن منسوخة منسوختها التي كتبت في إبان فترة تولي الشيخ الملا لقضاء الأحساء ينبغي أن تخضع لعدة معايير علمية كصحة النقل عن منسوخة الوثيقة الأصل، ومطابقتها لها تماماً حرفاً بحرف فضلاً عن مطابقة هذه الأخيرة لنسخة الأصل، وهو ما لن نستطيع التأكد منه لفقدان النسخة الأصل، وكذا النسخة المنسوخة عنها أيام القاضي العدساني.

غير أننا – وبعيداً عن كل هذا – وبمراجعة محتوى الوثيقة المنسوخة نجد أنّ الوثيقة الأصلية التي زعم أنها كتبت عام 885 للهجرة ورد فيها أنها كتبت في زمن القاضي إبراهيم بن شجاع، ونصّ ما كتب فيها بهذا الخصوص هو كما يلي:
"هذا صورة توقيع قاضي زمن الوقفية: جرى وثبت ما فيه عندي، فأثبته وحكمت بصحته؛ حرره الفقير إبراهيم بن شجاع المولّى بقضاء الحسا عفى الله عنهما".

فإذا كانت هذه الوقفية قد حُرر أصلها في زمن القاضي إبراهيم بن شجاع، فهي بالتأكيد لا ترتقي إلى القرن التاسع الهجري لأنّ هذا القاضي ليس من رجالات ذلك القرن، وإنما هو من رجالات النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري، فقد ورد اسمه كشاهد في وثيقة كتبت عام 1063 للهجرة، وهذه الوثيقة هي عبارة عن وقف ذرية أوقفه الشيخ محمد بن خلف بن هلال الشافعي لعقارات وبساتين في طرفي البحيرية وأم خريسان على ولديه عبد الله وناصر، وشهد عليه عدة مشايخ تولوا القضاء في الأحساء ونواحيها، ومنهم القاضي إبراهيم بن شجاع الذي كان نصُّ توقيعه كما يلي:

"لما عُرض علي هذه الوثيقة الشرعية وتأملت من أوله! إلى تاليه! وجدته موافقاً للشرع القويم؛ قَبَلْتُه وَأمضَيْتُه؛ حَرَّرَهُ الفقير إبراهيم بن قاضي شجاع المولَّى بقضاء الأحساء المحمية".[11]

وقوله: "قَبَلْتُهُ وَأمْضَيْتُه" يدل على أنه كان لا زال قاضياً في الأحساء حينها، وهذا الأمر في حد ذاته يلغي مصداقية تاريخ هذه الوثيقة المزعومة أعني وثيقة العام 885 للهجرة.

وللأسف الشديد، فإنّ الوثائق الأحسائية المتوفرة لدينا لا تُسعفنا بتاريخ نشوء مدينة الهفوف على وجه التحديد؛ علماً أنّ ما اطلعت عليه منها مما ذكر فيها اسم الهفوف، وذكر أنها تعود للقرن العاشر هي قليلة جداً تعد على أصابع اليدين، وإضافة إلى ذلك هي كلها وثائق غير أصلية، فهي إما أن تكون منسوخة عن الوثائق الأصلية، أو إنّها منسوخة عن منسوخة الوثائق الأصلية، وعليه فإنه لا يمكننا الجزم بورود اسم الهفوف في الوثيقة الأصلية القديمة لأنّ تغير اسم الموضع قد يستدعي من ناسخ وثيقة ورد فيها اسم هذا الموضع استبدال الاسم الحديث له باسمه القديم المدوّن في وثيقة الأصل لأنّ القصد من تجديدها هو حفظ حدود العقار المحدد فيها، والذي عادة ما يكون وقفاً أو إرثاً وذكر الاسم القديم لن ينفع في حفظ هذه الحدود، وعلى أي حال، فإن البحث العلمي يفرض علينا عدم الجزم بوجود مسمى جغرافي في وقتٍ معين ما لم يوجد دليل ملموس على وجوده في ذلك الوقت، وفي مثل هذه الحالة الخاصة بالوثائق الورقية، فإنّ الوثيقة الأصلية التي كتبت في القرن العاشر الهجري، والتي يرد فيها اسم الهفوف هي الدليل المقبول لإثبات وجود مسمى الهفوف كمدينة في ذات القرن، وأما ما نُسخ عنها في القرون اللاحقة، فلا تقوم مقامها إلا من حيث الاستئناس بها والترجيح، وليس الجزم.

وكذلك الحال بخصوص الوثائق العثمانية الخاصة بالأحساء، والعائدة للقرن العاشر، فلا نكاد نجد فيها مسمى الهفوف؛ في حين إننا نرى اسم مدينة المبرّز، وهي المدينة الثانية في الأحساء يرد في إحدى وثائق هذا القرن العائدة للدولة العثمانية، وكذلك بعض القرى الأحسائية كقرية واسط الواقعة شمال العمران الشمالية.[12]

وأيضاً، فإنه يمكننا أن نلاحظ أنّ الوثائق الأحسائية المحلية العائدة للقرن الحادي عشر وما بعده مليئة بأسماء أحياء تقع داخل مدينة الهفوف حالياً كحي الرفعة وحي الكوت؛ بل إنّه حتى حي الرفعة الذي توسع إلى عدة أحياء لاحقاً، فقد ذكرت أحياؤه الجديدة في هذه الوثائق؛ مثل حي الرُّقيّات، وحي الفوارس، وحي الصاغة، وحي الجحاحفة، فكانت هذه الأحياء تذكر كطرف من أطراف الحي المتفرعة منه، وهو حي الرفعة، فيقال "طرف الرقيات التابع لحي الرفعة"، أو "طرف الصاغة التابع لحي الرفعة" .. الخ، ولكنه يندر أن نجد في هذه الوثائق نسبة حي الرفعة مثلاً إلى الهفوف بل يُكتفى دائماً بذكر حي الرفعة كنهاية للتحديد، ولا تذكر الهفوف مع علمنا بوجودها كمدينة معروفة حينها كما سنرى عند استعراضنا لشعر القرن الحادي عشر الذي ذكرت الهفوف فيه.

نعم ظهر اسم الهفوف كمسمى لمدينة في الأحساء في وثائق أحسائية تعود للقرن الحادي عشر وما بعده بوضوح، ومن هذه الوثائق وثائق لأوقاف مساجد بنيت في الهفوف بنى أقدمها علي باشا أمير إيالة الأحساء في القرن الحادي عشر الهجري،[13] وإن كان معظم هذه الوثائق أيضاً هي وثائق منسوخة عن الوثائق الأصلية في أزمان لاحقة، وليست الأصلية؛ كما ينبغي الالتفات إلى أنّ بعض هذه الوثائق العائدة للقرن الحادي عشر الهجري ورد فيها اسم (هفوف)، ولكن لم يكن يراد به البلدة المعروفة، وإنما أطلق على قطعة زراعية تدعى في العرف المحلي باسم (شرب)، فوردت هذه اللفظة في هذه الوثيقة مضافة إلى (هفوف)، ونصُّه فيها كما يلي:

"وحدُّ شُرْبِ هفوف قِبْلَةً الجرْعَة، وشمالاً الطريق ومشْرُوبُ المزرَع، وشرقاً المزْرَع، وجنوباً مُلْك يوسف الخنجرلي".[14]

الهفوف في الشعر العربي القديم
لقد مرّ بنا في أول البحث بيت ابن حبيب التاروتي الخطي من رجالات القرن الثاني عشر الهجري، والذي يذكر فيه الهفوف بتشديد الفاء، وذلك في قوله:

مَهْلاً مُهَفْهِفَةَ الهُفُّوْفِ مِنْ هَجَرِ



أرَنَّةُ الصَّوْتِ ذِيْ أمْ رَنَّةُ الوَتَرِ

إلا أنه يوجد شاعرٌ أقدم من ابن حبيب ذكرها في شعره ولكنه نطقها مخففة الفاء الأولى، وليس كما ذكرها ونطقها ابن حبيب الخطي مشدداً لها، وهذا الشاعر هو شهاب الدين بن معتوق الموسوي (1025 – 1087هـ)، وذلك في قصيدة قالها عندما جرّد ممدوحه حسين باشا بن علي أفراسياب والي البصرة حينها حملةً تأديبية لقبيلة بني خالد ومن معها من قبائل البدو الذين كان قد طلب من زعيمهم براك الخالدي الهجوم على الأحساء والقطيف واستخلاصهما له من الوالي العثماني، وقد فعل برّاك ذلك إلا أنه استخلصهما لنفسه بدلاً من حسين باشا،[15] فما كان من حسين باشا إلا أنْ جرَّد حملةً كبيرة من البصرة، وطرد برّاكاً وقبيلته من حصن الهفوف، فأنشأ ابن معتوق قصيدة بهذه المناسبة يهنئ حسين باشا بهذا الفتح، وقد جاء في مقدمتها ما نصه:

"وقال يمدحُه ويهنئُهُ بفَتْحِ حِصْنِ الهفُوْفْ".[16]

ومن ضمن ما ورد في هذه القصيدة قوله فيها: [17]

سلِ الهُفوفَ عن الأعرابِ كم ترَكوا



منَ الكُنوزِ وجنّاتٍ ببقعَتِهِ

ثم يقول موجهاً الخطاب لبني خالد: [18]

يا خالديّونَ خُنتُم عهدَ سيّدِكم



هلا وفَيتُم وخِفتُم بأسَ صَولَتِهِ

ثم يذكر زعيم بني خالد براك: [19]

بَرّاكُ ربُّك ما برّاكَ منهُ ولا



خُصِصْتَ في برَكاتٍ من عطيّتِهِ

كفرْتَ في ربِّكَ الثاني وخُنتَ به



يَكفيكَ ما فيكَ من حِرمانِ نِعمتِهِ

وكان تاريخ هذه الوقعة عام (1074هـ / 1663 - 1664م)[20] مما يعني أنّ الهفوف كانت قائمة كمدينة قبل هذا التاريخ، وهو ما يتفق حتى الآن مع الوثائق الأحسائية للقرن الحادي عشر.
للبحث صلة ..


الصور والوثائق التوضيحية:


 صورة جوية لمدينة الهفوف (لليسار)، وقد بدا فيها أحياؤها الثلاثة: الكوت والرفعة 
والنعاثل، وإلى (اليسار) رسم كروكي للصورة ذاتها موضح عليها أهم الأماكن فيها


 صورة أخرى ملتقطة جواً للهفوف من الجنوب الغربي للشمال الشرقي، وقد وضح فيها 
قلعة الكوت داخل المدينة، وحي الرفعة على يمينها، وحي النعاثل أسفل منها، وإلى شمال
القلعة بدت واحة عين أم خريسان، وإلى الغرب منها واحة السيفة؛ كما بدى إلى الشرق
من المدينة بداية غابات النخيل الكثيفة الممتدة من عيني الخدود والحقل إلى العمران.


عين أم خريسان الواقعة شمال مدينة الهفوف


عين الحقل أقوى عيون الأحساء تدفقاً بالمياه؛ تقع هذه العين للشرق من حي الرفعة
أحد أحياء مدينة الهفوف.


عين الخدود إحدى شهريات عيون الأحساء وأقواها؛ تقع شرق حي الرفعة من أحياء 
مدينة الهفوف جنوب عين الحقل السابقة بثلاثمائة متر فقط.


إحدى الوثائق الأحسائية المحلية العائدة للعام 1058هـ، وقد ورد فيها موضع نخل
يدعى (شرب هفوف)؛ كما في السطر رقم 24.



[1]الشيخ علي بن حسن البلادي: أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين؛ تحقيق عبد الكريم البلادي (بيروت: مؤسسة الهداية 1424هـ - 2003م) ج2: 185.
[2]سليمان بن صالح الدخيل: تحفة الألباء في تاريخ الأحساء (بيروت: الدار العربية للموسوعات 1422هـ 2002م) الصفحات 61، 69.
[3]F. S. Vidal, The Oasis of Al-Hasa 1955 P 77.
[4]محمد بن عبد القادر: تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد (الرياض: طبعة مكتبة المعارف 1982م) الصفحة 31.
[5]F. S. Vidal, The Oasis of Al-Hasa 1955 P 77.
[6] جمال الدين محمد بن منظور: لسان العرب؛ لجنة تحقيق (قم: مركز نشر أدب الحوزة 1405هـ) ج9: 348 مادة [ هفف ].
[7] شارح مجهول: شرح ديوان ابن المقرَّب؛ تحقيق عبد الخالق الجنبي (بيروت: دار المحجة البيضاء 1433هـ) ج1: 66.
[8] شارح مجهول: شرح ديوان ابن المقرَّب؛ ج1: 69 – 70.
[9] F. S. Vidal, The Oasis of Al-Hasa 1955 P 77.
[10] نُشرت في جريدة الرياض السعودية بتاريخ 10 ذي القعدة 1427هـ - 1 ديسمبر 2006م؛ العدد 14039؛ مذيلة بصورة لها، ونص ما ورد في هذه الوثيقة المشار إليها مما يختص ببحثنا هو قوله فيها: "بطرف البحيرية تابع هفوف".
[11] الوثيقة رقم ( 8 ) من وثائق متسلسلة تاريخياً أهدبت لي من قبل آل النمر الأحسائيين.
[12] مهمة دفتري؛ الجزء الثالث الصفحة 386 رقم 2، وتتحدث هذه الوثيقة عن قيام سعدون بن حميد الخالدي بهجوم على الأتراك العثمانيين في الأحساء عام 967 للهجرة، وقد ذكرت الوثيقة أنّ سعدوناً أخذ يوزع على أتباعه مزارع ونخيل الأحساء، وأنه وزع عليهم دخل قرية واسط التابعة للأراضي السلطانية، وجمع مبلغاً كبيراً من قرية المبرّز.
[13] عبد الكريم بن عبد الله المنيف الوهيبي: العثمانيون وشرق شبه الجزيرة العربية (إيالة الحسا)؛ (الرياض: مطابع الحميضي 2004)؛ انظر الملحق رقم (1)، و(2)، و(3)، ولا عبرة بقوله عن الوثيقة الأولى إنها من وثائق القرن العاشر، فهي غير مؤرخة، والأستاذ إنما أرخها اعتماداً على خصائص فيها رأى بموجبها أنها من وثائق القرن العاشر، ولكنني لا أرى ذلك.
[14] عبد الكريم بن عبد الله المنيف الوهيبي: العثمانيون وشرق شبه الجزيرة العربية (إيالة الحسا)؛ (الرياض: مطابع الحميضي 2004)؛ انظر الملحق رقم (4)، وتاريخ هذه الوثيقة 1058هـ
[15] ستيفن همسلي لونجريك: أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث؛ ترجمة جعفر الخياط (بغداد 1985م)؛ الصفحة 142.
[16] معتوق بن شهاب الموسوي = ابن معتوق: ديوان ابن معتوق؛ تحقيق سعيد الشرتوني اللبناني (بيروت: المطبعة الأدبية 1885م)؛ الصفحة 200.
[17] معتوق بن شهاب الموسوي = ابن معتوق: ديوان ابن معتوق؛ تحقيق سعيد الشرتوني اللبناني (بيروت: المطبعة الأدبية 1885م)؛ الصفحة 203.
[18] معتوق بن شهاب الموسوي = ابن معتوق: ديوان ابن معتوق؛ تحقيق سعيد الشرتوني اللبناني (بيروت: المطبعة الأدبية 1885م)؛ الصفحة 204.
[19] معتوق بن شهاب الموسوي = ابن معتوق: ديوان ابن معتوق؛ تحقيق سعيد الشرتوني اللبناني (بيروت: المطبعة الأدبية 1885م)؛ الصفحة 204.
[20] ستيفن همسلي لونجريك: أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث؛ ترجمة جعفر الخياط (بغداد 1985م)؛ الصفحة 142.